إن الاستبداد ليُحوّل الحقائق في الأذهان، فيسوق الناس إلى اعتقاد أن طالب الحق فاجر، وتارك حقه مطيع، والمشتكي المتظلم مفسد، والنبيه المدقق ملحد، والخامل المسكين صالح. ويصبح كذلك النصح فضولًا، والغيرة عداوة، والشهامة عتوًا، والحمية حماقة، والرحمة مرضًا. كما يُعتبر النفاق سياسة، والتحايل كياسة، والدناءة لطفًا، والنذالة دماثة.

ينبغي ألا نغفل أن الإنسان في أصل طبيعته حيوان؛ فهو أخو القرد وابن عم الحمار. وحينما يكتسب الصبغة البشرية، تظل النزعات الحيوية كامنةً في أعماقه. إنه يتظاهر باللطف وسلامة القلب وحب الخير، ولكن طبيعته البهيمية تأبى الخضوع لهذا النفاق لمدة طويلة. إنه يداريها بعقله الواعي، فإذا غاب هذا العقل أو خدر، برز الحيوان من باطن الإنسان.