إنَّ طبيعةَ الإسلامِ أن يكونَ قائدًا لا مقودًا، وسيدًا لا مسودًا؛ لأنه كلمةُ اللهِ، وكلمةُ اللهِ هي العليا، ولهذا فهو يعلو ولا يُعلى عليه. والعلمانيةُ تريدُ من الإسلامِ أن يكونَ تابعًا لها، يأتمرُ بأمرِها وينتهي بنهيها، لا أن يأخذَ موقعَهُ الطبيعيَّ والمنطقيَّ والتاريخيَّ آمرًا ناهيًا حاكمًا هاديًا. إنها تبارِكُهُ وترضى عنه إذا بقيَ محصورًا في الموالدِ والمآتمِ، وفي دنيا الدراويشِ والمجاذيبِ، وفي عالمِ الخرافةِ والأساطيرِ. أما أن يتحركَ ويُحرِّكَ ويوجهَ الشبابَ ويقودَ الجماهيرَ ويفجرَ الطاقاتِ ويضيءَ العقولَ ويلهبَ المشاعرَ ويصنعَ الأبطالَ ويربيَ الرجالَ ويضبطَ مسيرةَ المجتمعِ بالحقِّ ويقيمَ بينَ الناسِ الموازينَ القسطَ ويوجهَ التشريعَ والثقافةَ والتربيةَ والإعلامَ ويُعلِّمَ الناسَ أن يدعوا إلى الخيرِ ويأمروا بالمعروفِ وينهوا عن المنكرِ ويقاوموا الفسادَ والانحرافَ، فهذا ما لا ترضى عنه العلمانيةُ بحالٍ. تريدُ العلمانيةُ من الإسلامِ أن يقنعَ بركنٍ أو زاويةٍ له في بعضِ جوانبِ الحياةِ، لا يتجاوزُها ولا يتعداها، وهذا تفضلٌ منها عليه، لأنَّ الأصلَ أن تكونَ الحياةُ كلُّها لها بلا مزاحمٍ أو شريكٍ! فعلى الإسلامِ أن يقنعَ ‘بالحديثِ الدينيِّ’ في الإذاعةِ أو التلفازِ و’بالصفحةِ الدينيةِ’ في الصحيفةِ يومَ الجمعةِ و’بحصةِ التربيةِ الدينيةِ’ في برامجِ التعليمِ العامِّ و’بقانونِ الأحوالِ الشخصيةِ’ في قوانينِ الدولةِ و’بالمسجدِ’ في مؤسساتِ المجتمعِ و’بوزارةِ الأوقافِ’ في أجهزةِ الحكومةِ!