المشكلة ليست في الندم بحد ذاته، فالندم يدفع الفرد إلى مراجعة حساباته وأفعاله، فيسعى لإصلاحها وتجنب تكرار الخطأ منها. بيد أن المشكلة الحقيقية تكمن في أن يلجأ المرء إلى الندم مجددًا على ذات الأفعال التي ندم عليها سابقًا.
هي الحياة؛ لا ندري ونحن نجلس إلى مائدة مباهجها، ماذا عساها تسكب لنا لحظتها في أقداحنا. في الحقيقة، لسنا من نختار مشروبنا، بل نختار النديم. أما الندم، فيختاره لنا القدر.
كقُبلةٍ أولى، كموعدٍ أولٍ، يُباغتُكِ المطرُ. مثلَ يدٍ تلامسُكِ للمرةِ الأولى، تنتفضينَ لقطراتِهِ المتسارعةِ، وتتوجّسينَ سيولَهُ الجارفةَ. طبعًا، هو سيّدُكِ. يعدُكِ، ويتوعدُكِ، ويتحكّمُ في مزاجِكِ العاطفيِّ، وعليهِ ألاّ يُطيلَ المكوثَ، حتى لا يتركَكِ لوحلِ الندمِ. المطرُ يُغافِلُكِ دومًا كرجلٍ، يأتي عندما لا يكونُ لكِ من معطفٍ أو مظلّةٍ للاحتماءِ منهُ، فتختبرينَ غبطتَكِ تحتَ سماءٍ تنقضُّ عليكِ بوابلٍ من الدموعِ، مشدوهةً، مبهورةً، عزلاءَ، ثملةً، حائرةً: كيفَ تعبّينَ ماءَ السماءِ كلَّهُ في قلبٍ فاضَ بهِ الشَّجنُ؟ أَكُلُّ هذا المطرِ الذاهبِ صوبَ عروقِ الأرضِ، لا يكفي لإطفاءِ نارِ قلبٍ صغيرٍ؟
نقصُ التدين، وشحُّ الأدب، وغيابُ الندم عند ارتكاب الزلل، وعزوفُ النفس عن قبول العتاب؛ كلها عللٌ مستعصيةٌ لا شفاءَ لها.
يأسفُ المرءُ على ما فاته من رغباتٍ لم يحققها، وتراهُ مبتهجًا بما أنجزه، وكأن لم يُنجزه. إن هذه الرغبات وأحلامَ اليقظةِ، عندي، متقاربةٌ في طبيعتها.
بادر إلى خلاص نفسك اليوم قبل أن يدهمك الندم، فإن سوق الأعمال الصالحة دائمة، والثمن ميسور، والبضائع (أي الحسنات) رخيصة ومتاحة. وسوف يأتي على هذه السوق وتلك البضائع يومٌ لا تستطيع فيه الظفر بقليل أو كثير منها، ذلك يوم التغابن، ويوم يعض الظالم على يديه حسرةً وندمًا.