إن المأزق يكمن في إفراطنا – لا شعورياً ولا إرادياً – في توقع ردود أفعال الآخرين على نحو غير منطقي، فنضع أنفسنا في منزلة متضخمة، معتقدين أن لأفعالنا وكلماتنا وغيابنا وحضورنا تأثيراً مبالغاً فيه، في حين أن الكون لا يطرأ عليه أي تغيير يُذكر.
لا أحد يدرك عمق ألمك حين يرحل أبوك دون وداع، أو يوافيه الأجل وهو غير راضٍ عنك، أو حين ينسحق إيمانك تحت وطأة الإحباطات المتوالية، أو تفقد صديق عمرك. إنها قائمة من الأوجاع العميقة التي لا يجدي معها صبرٌ مستمدٌ من دفء الآخرين المؤقت، وتبدو كل كلمات المواساة مبتذلة مهما بلغت بلاغتها.
في غيابٍ عن لحظةٍ سيدخل فيها القبر عاريًا، وفي غفلةٍ عن لحظةٍ سيقف فيها بين يدي الملك عاريًا، بلا منصب ولا كرسي ولا جاه ولا دنيا.
قد ينامُ الناسُ على الحصيرِ فتَنطَبِعُ عيدانُه في جلودِهم؛ فهل يُكسِبُهم ذلكَ شَبَهًا بالرسولِ صلى الله عليه وسلم الذي نظرَ إلى الدنيا نظرةَ الغائبِ عنها، إذ كانَ فؤادُه حاضرًا مع ربِّه، يقظًا في حضرته، مستغرقًا في شهودِ جلالِه؟ إنَّ المرءَ لا يصيرُ قائدًا لمجرَّدِ أنَّه وجدَ زيَّ القائدِ فارتداه.
يا أبي، إن كنتَ أنتَ السلطانَ، فتعالَ وكنْ أنتَ قائدَ الجيشِ. وإن كنتُ أنا السلطانَ، فإني آمرُكَ بأن تأتي وتكونَ قائدًا للجيشِ.