لا أحد يرى الحقيقة كاملة، ولكن هذه ليست المشكلة الوحيدة؛ بل المشكلة الأعمق تكمن في أنهم يتجاهلونها عن قصد، فنحن نرى دائمًا بالعين التي نريد، ونصدق فقط ما يوافق رغباتنا.
في العالمِ العربيِّ تحيا، كدمعةٍ في عيونِ الكرامِ، تطردُها المحنةُ فيعيدُها الكرمُ. في العالمِ العربيِّ تحيا تلميذًا في فناءِ المدرسةِ بلا فطورٍ، وعينُه ترنو إلى الشارعِ، وهو يحيّي العلمَ. في العالمِ العربيِّ تحيا، تحدِّقُ في الساعةِ خشيةَ فواتِ نشرةِ الأخبارِ، لترى على الشاشةِ أناسًا يموتونَ في العالمِ العربيِّ.
في بلدٍ لا يسودُ فيه القانون، ويُساقُ الناسُ فيه إلى السجنِ بمحضِ الصدفة، لا يُرجى له مستقبلٌ. وكذا في بلدٍ يتفشى فيه الفقرُ ويتمددُ كالثعبانِ في الرمل، فلا أملَ له في غدٍ.
إن قضيتنا الراهنة هي قضيةُ وجودٍ أو فناءٍ؛ فإما أن نُفنى ونُفقدَ أرضنا وشعبنا، وإما أن نُذعنَ ونخسرَ بعضًا من كرامتنا. ولا شكَّ أن حياةَ الناسِ تُقدَّمُ على كرامةِ البعضِ.
من ذا الذي يجرؤ على القول بأن الألوف من العجزة المتسولين، الباحثين عن الفتات من صناديق القمامة، العراة الأجساد، الحفاة الأقدام، المعفرة وجوههم، الزائغة نظراتهم… هم أناسٌ لهم كرامة الإنسان وحقوقه؟ وهم لا يجدون ما تجده كلاب السادة في بيوت السراة!