تراودني فكرة قديمة، تزداد رسوخًا مع مرور الأيام، مفادها أن أي موقف مهما بلغت صعوبته سيمضي وسنتجاوزه. ما دمنا مضطرين لمعايشته، فسنعيشه مهما كانت درجة خوفنا أو ألمنا، إلا إذا قضى الله علينا بالموت. أستذكر اليوم أيامًا حالكة السواد قد مرت بي، وأتعجب كيف تحملتها! تمنحني هذه الفكرة تفاؤلًا وبعض الثقة في قدرتي – وقدرة أي إنسان – على تحمل المجهول حينما يتحول إلى واقع.
لا تكفَّ عن البذل والعطاء بحجة أن لا أحد يستحق، فربما صدقت في قولك، ولكن ماذا عنكَ أنت؟ ألا تستحق أن تتذوق لذة العطاء وجمال الإحسان؟
أتُرى هل سيتألمون لرحيلي؟ أحياناً أتمنى الموت فقط لأختبر مدى ألمهم، فربما قلبي لا يطاوعني على إيلامهم وأنا حية!
الأمم يعتريها الوجود والفناء، والتاريخ يحدثنا عن أعمارها؛ فمنها من بقي عشرات السنين ثم اندثر وباد. فمثلاً، اليونان امتد عمرها قرابة خمسمئة عام ثم فقدت وجودها الثقافي فابتلعتها ثقافات أخرى. أما الثقافة الإسلامية فقد مضى عليها قرابة خمسة عشر قرنًا وما زالت قائمة شامخة، وهي التحدي الوحيد لزعماء الغرب؛ فهي كالشجرة الطيبة أصلها ثابت وجذورها ضاربة في أعماق الأرض. إن الشعوب لا تُفنى جسديًا وماديًا، ولكنها تفنى ثقافيًا.
إنَّ واجبَكم، أيها المؤمنون، يقتضي تغييرَ المجتمع بالإقناع لا بالإكراه. فالذي يلجأ إلى القسر، ومن يقابله بالقسر، كلاهما يسلك سبيل شريعة الغاب.
إنَّ التحديَ الأكبرَ الذي يواجهُ كلَّ ثقافةٍ يكمنُ في قدرتها على المحافظةِ على تماسكها الداخليِّ وتوازنها الذاتيِّ، في الوقتِ الذي تسعى فيه لتلبيةِ مطلبي الثباتِ والتغيرِ في غمارِ المعتركِ الحضاريِّ. وهذا الأمرُ، في حقيقته، مشروطٌ بوعيِ أهلِ الثقافةِ وإدراكهم العميقِ للمبادئِ والأصولِ الكبرى التي تُشكّلُ البنىَ الجوهريةَ لثقافتهم.