في العزلة تتجلى كفاءة المرء في تدبير شؤون نفسه. يخط العبارة، ثم يتأمل السقف، ويضيف: أن تكون وحيدًا، أن تكون قادرًا على أن تكون وحيدًا، هو ضرب من التربية الذاتية العميقة. العزلة هي انتقاء لنوع الألم الذي تتحمله، وتدريب على تصريف مشاعر القلب بحرية العصامي الذي يعتمد على نفسه. أو هي أشبه بخلوّك من كل ما هو خارجك، وهبوطك الاضطراري في أعماق ذاتك دون مظلة نجاة. تجلس منفردًا كفكرة مجردة من حجة البرهان، دون أن تدرك الحوار الدائر بين ظاهرك وباطنك. العزلة مصفاة لا مرآة؛ ترمي ما في يدك اليسرى إلى يدك اليمنى، فلا يتغير شيء في حركة الانتقال من اللا فكرة إلى اللا معنى. لكن هذا العبث البريء لا يؤذي ولا يجدي. وماذا لو كنتُ وحدي؟ العزلة هي اختيار المترف بالخيارات الممكنة، هي اختيار الحرّ. فحين تجف نفسك وتضيق، تقول: لو كنتُ غيري لانصرفتُ عن الورقة البيضاء إلى محاكاة رواية يابانية، يصعد كاتبها إلى قمة الجبل ليرى ما فعلت الكواسر والجوارح بأجداده الموتى، لعله ما زال يكتب، وما زال موتاه يموتون. لكن تنقصني الخبرة والقسوة الميتافيزيقية، تنقصني، وتقول: لو كنتُ غيري.