حكمة
نص موثق
«

في العزلة تتجلى كفاءة المرء في تدبير شؤون نفسه. يخط العبارة، ثم يتأمل السقف، ويضيف: أن تكون وحيدًا، أن تكون قادرًا على أن تكون وحيدًا، هو ضرب من التربية الذاتية العميقة. العزلة هي انتقاء لنوع الألم الذي تتحمله، وتدريب على تصريف مشاعر القلب بحرية العصامي الذي يعتمد على نفسه. أو هي أشبه بخلوّك من كل ما هو خارجك، وهبوطك الاضطراري في أعماق ذاتك دون مظلة نجاة. تجلس منفردًا كفكرة مجردة من حجة البرهان، دون أن تدرك الحوار الدائر بين ظاهرك وباطنك. العزلة مصفاة لا مرآة؛ ترمي ما في يدك اليسرى إلى يدك اليمنى، فلا يتغير شيء في حركة الانتقال من اللا فكرة إلى اللا معنى. لكن هذا العبث البريء لا يؤذي ولا يجدي. وماذا لو كنتُ وحدي؟ العزلة هي اختيار المترف بالخيارات الممكنة، هي اختيار الحرّ. فحين تجف نفسك وتضيق، تقول: لو كنتُ غيري لانصرفتُ عن الورقة البيضاء إلى محاكاة رواية يابانية، يصعد كاتبها إلى قمة الجبل ليرى ما فعلت الكواسر والجوارح بأجداده الموتى، لعله ما زال يكتب، وما زال موتاه يموتون. لكن تنقصني الخبرة والقسوة الميتافيزيقية، تنقصني، وتقول: لو كنتُ غيري.

»
محمود درويش العصر الحديث

جوهر المقولة

تُقدم هذه المقولة رؤية عميقة للعزلة، تتجاوز كونها مجرد غياب للآخرين، لتصبح حالة وجودية معقدة وفاعلة. إنها تُصوّر العزلة كفضاء للسيادة الذاتية والتدبير الشخصي، حيث يكتشف الإنسان قدرته على إدارة عالمه الداخلي بعيدًا عن المؤثرات الخارجية.

إنها ليست هروبًا، بل اختيار واعٍ وممارسة للحرية الفردية. يرى درويش العزلة كـ'تربية ذاتية'، حيث يتعلم المرء كيف يواجه ذاته، ويصرف أفعال قلبه بحرية مطلقة، متحررًا من قيود التوقعات الاجتماعية. هي أشبه بـ'هبوط اضطراري في نفسك بلا مظلة نجاة'، مما يشير إلى مواجهة جذرية وحتمية للذات، حيث لا مفر من التفكير والتأمل.

المقولة تميز بين العزلة كـ'مصفاة' تُنقي الذات وتُعيد تشكيلها، وبين المرآة التي تعكس الواقع دون تغيير جوهري. إنها حالة من 'العبث البريء' الذي قد لا يؤذي ولا يجدي بالمعنى المادي، لكنه يفتح آفاقًا للتساؤل الوجودي، مثل 'وماذا لو كنتُ وحدي؟'. العزلة هنا هي امتياز الأحرار، الذين يملكون رفاهية الاختيار بين الممكنات، حتى لو كانت هذه الممكنات تقود إلى مواجهة قسوة الذات ونقصها، كما في تمنيه لو كان غيره ليحقق ما يعجز عنه في واقعه، مما يعكس صراع الفنان مع حدود ذاته وإبداعه.