كان البيت بلا سقف، وجدرانه المتداعية قد تهدم بعضها، وبعضها الآخر ما زال قائمًا، لكن وقفته كوقفة العجوز الأحدب المتهالك الذي يحاول أن ينتصب بقامته فلا يستطيع. فها حجرٌ قد برز من هنا وآخر من هنالك، وثالث لو وخزته بعصا لسقط إلى الأرض في الحال. ولولا بعض الأعشاب النابتة في شقوقه، ثم لولا بعض الحشرات والزواحف التي اتخذت من حجارته مساكن وملاعب، لبدت تلك الخربة خالية من كل أثر للحياة، بل لبدت وكأنها مناحةٌ على الحياة. أما يحزنك أن تفكر في هذا البيت، وفي الذين بنوه وسكنوه، كيف مضوا وتركوه، وإلى أين مضوا؟ كم غنوا وناحوا، كم فرحوا بمولود وتحرقوا على مفقود، كم أملوا وخابوا، وصلوا وكفروا، وأبغضوا وأحبوا. فقاطعني رفيقي: لقد كانوا بشرًا وكفى، ولكن ما الذي يحزنك من أمرهم؟ يحزنني… يحزنني أنهم كانوا، ثم مضوا فكأنهم لم يكونوا. كانوا عمارًا فباتوا خرابًا، كانوا شيئًا فأصبحوا لا شيء. ولولا هذه الحجارة الكئيبة التي تذكرنا بهم، لما ذكرناهم.

أقول للطبيب: أشعر بالخوف، في اليقظة والمنام. ربما أطير لأنني خائفة، ولكن عندما أطير أتخفف من خوفي، فلا أعود أنتبه لوجوده. وحين يغلبني الخوف، أجد نفسي غير قادرة على الوقوف أو المشي، فأتمترس في السرير. ويبدو الذهاب إلى العمل أو الخروج من البيت مهمة مستحيلة، فأتحاشى الخروج ما أمكن، وأتحاشى الناس، وأشعر بالوحشة لأنني بعيدة عنهم في الوقت نفسه. لحظة استيقاظي من النوم هي الأصعب، يستغرقني الاستعداد للخروج إلى العمل ساعتين، لا لأنني أتزين وأتجمل، بل لأنني لا أكون قادرة على النزول إلى الشارع والذهاب إلى الوظيفة ولقاء من سألتقي بهم. وحين أذهب إلى العمل وأنهمك فيه، يتراجع الخوف كأنه كان وهمًا، أو كأن حالتي في الصباح لم تكن سوى هواجس وخيالات. أسميت شعوري خوفًا، ولكنني لست متأكدة من دقة التوصيف، ربما هو شيء آخر، إعراض أو توجس أو شعور مختلط لا يشكل الخوف إلا عنصرًا واحدًا من عناصره. لا أدري.