حكمة
نص موثق
«

وقد تعمّد مؤرخ التاريخ (في إشارة إلى هيكل) إعفاء قرائه العرب من تفاصيل اتصال عبد الناصر به عقب وصول أنباء الاجتياح الإسرائيلي لسيناء، وحسناً فعل؛ إذ لولا ذلك لما كفت مستشفيات مصر لعلاج حالات الضغط والسكر. لكنه للأسف نشر هذه الفضيحة في الطبعة الإنجليزية.

قال: ‘حُوّلت لي مكالمة من ناصر على الفندق: الإسرائيليون في سيناء، ويبدو أنهم يحاربون الرمال؛ لأنهم يحتلون موقعاً خالياً بعد موقع. إننا نراقب ما يجري عن كثب، ويبدو لنا كما لو أن كل ما يريدونه هو إثارة عاصفة رمال في الصحراء. لا نستطيع أن ندرك ما يجري، أقترح أنك تأتي.’ يأتي أو لا يأتي!

والله لولا أننا لا نشك بعد في وطنية عبد الناصر، ولا نثق إطلاقاً في رواية هيكل، لظننا أنها مكالمة بين جاسوسين إسرائيليين يتبادلان التهاني: ‘اليهود في سيناء… لا أحد يقف في طريقهم، المواقع تقع في أيديهم واحداً تلو الآخر بلا نقطة دم… خالية… إنهم يحاربون الرمال بعد أن سحبنا لهم رجالنا… تعال بسرعة!’

ألا يعرف زعيم مصر، والذي كان عسكرياً، ماذا يريد الإسرائيليون في سيناء؟ ولا يفهم لماذا يستولون على المواقع الخالية؟! وما ذنب اليهود إذا كانت المواقع قد تركت بلا مدافعين؟! هل هم من المسلمين الأتقياء لا يدخلون موقعاً حتى يستأذنوا؟! ولا يدخلون موقعاً ليس مسكوناً؟! هذا هو هيكل، مؤرخ زمن القحط. فتعالوا نرى ماذا أرّخ… قُتل كيف أرّخ!

»

جوهر المقولة

هذه المقولة تمثل نقداً لاذعاً ومفصلاً للرواية التاريخية التي قدمها محمد حسنين هيكل حول حرب عام 1967، وبالتحديد حول رد فعل الرئيس جمال عبد الناصر على الغزو الإسرائيلي لسيناء. يرى الكاتب أن هيكل تعمد إخفاء حقائق معينة عن القارئ العربي، بينما كشف عنها في طبعات أجنبية، مما يشير إلى ازدواجية في التعامل مع التاريخ وتلاعب بالوعي العام.

التحليل يتجاوز مجرد السرد ليطرح تساؤلات فلسفية حول طبيعة الحقيقة التاريخية، ودور المؤرخ في تشكيل الوعي الجمعي، ومسؤولية القادة تجاه شعوبهم. يستنكر الكاتب عدم فهم عبد الناصر، بصفته قائداً عسكرياً، لدوافع الاحتلال الإسرائيلي للمواقع الخالية، ويشكك في رواية هيكل التي تصور عبد الناصر وكأنه في حالة ذهول أو عدم إدراك لما يجري، واصفاً ذلك بـ "الفضيحة". هذا التشكيك يمس جوهر الثقة في الرواية الرسمية للأحداث.

تُبرز المقولة أيضاً الصراع بين الروايات المختلفة للأحداث التاريخية، وكيف يمكن أن تُصاغ الحقائق لتخدم أجندات معينة. إنها دعوة للتفكير النقدي وعدم التسليم بالمسلمات، خاصة عندما يتعلق الأمر بتاريخ الأمة ومصيرها. كما أنها تثير قضية الأخلاق في التأريخ، ومسؤولية المؤرخ في نقل الحقيقة بأمانة، بعيداً عن التجميل أو التشويه، مما يجعلها دراسة في فلسفة التاريخ والنقد التاريخي.