حكمة
نص موثق
«

والحقيقة أن هذه القضية: مسايرة العصر والاحتفاظ بالدين والتقاليد، هي وحدة لا تتجزأ. ولقد أدركت النخبة منذ زمن مبكر – ولو أنها لم تستطع أن تحول علمها إلى عمل لأسباب عديدة – أن الحفاظ على الدين والتقاليد هو الطريق الوحيد أمام الشعوب الإسلامية لكي تحقق التجديد والتحديث. وأدركت في نفس الوقت أن التمدين الذي يدعوها إليه الغرب هو عملية إعادة تنظيم للمجتمعات الإسلامية، لكي تصبح أكثر قابلية للاستعمار الغربي، وأكثر قابلية لعملية الامتصاص. لأنها بالتغريب تصبح أكثر تقبلاً لإدارته لها. إن غلي النبات وشواء اللحم يجعله أكثر تحضرًا، ولكن لمصلحة الذي يلتهمه!

»
محمد جلال كشك العصر الحديث

جوهر المقولة

يُقدم محمد جلال كشك تحليلًا نقديًا عميقًا للعلاقة بين التحديث، الأصالة، والاستعمار في سياق المجتمعات الإسلامية. يرى أن التوفيق بين مسايرة متطلبات العصر الحديث والتمسك بالدين والتقاليد الأصيلة ليس خيارين منفصلين، بل هما قضية متكاملة لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر لتحقيق نهضة حقيقية. هذه الحقيقة، برأيه، أدركتها النخب الفكرية الإسلامية مبكرًا، وإن كانت لم تتمكن دائمًا من تحويل هذا الإدراك إلى واقع عملي لأسباب متعددة.

جوهر إدراك هذه النخبة هو أن التجديد والتحديث الحقيقي للشعوب الإسلامية لا يمكن أن يتم إلا من خلال التمسك بمقوماتها الذاتية؛ دينها وتقاليدها. فالتجديد الذي ينبع من الأصالة هو الذي يضمن استمرارية الهوية والخصوصية الثقافية. وفي المقابل، يرى كشك أن النموذج التمديني الذي يطرحه الغرب على الشعوب الإسلامية ليس مجرد دعوة للتقدم، بل هو في جوهره عملية إعادة هيكلة وتنظيم للمجتمعات الإسلامية بطريقة تجعلها أكثر ضعفًا وهشاشة أمام الهيمنة الغربية.

إن هذا التمدين الغربي، بحسب كشك، يهدف إلى جعل المجتمعات الإسلامية أكثر استعدادًا للاستعمار الثقافي والاقتصادي، وأكثر قابلية لعملية "الامتصاص" التي تفقدها استقلاليتها وتذيبها في المنظومة الغربية. فالتغريب، أي تبني النماذج الغربية دون تمحيص، يجعل هذه المجتمعات أكثر قبولًا للإدارة والتحكم الخارجي. ويختتم الكاتب مقولته بتشبيه بليغ وساخر: "إن غلي النبات وشواء اللحم يجعله أكثر تحضرًا، ولكن لمصلحة الذي يلتهمه!". هذا التشبيه يوضح أن "التحضر" الذي يُفرض من الخارج قد لا يكون في مصلحة "المتحضر"، بل في مصلحة القوة المهيمنة التي تستفيد من إضعاف الطرف الآخر وتطويعه لخدمة أغراضها.