حكمة
نص موثق
«

وإذا كانت العبارة القرآنية لا تقع على آذاننا اليوم موقع السحر والعجب والذهول، فالسبب هو التعود والألفة والمعايشة منذ الطفولة والبلادة، والإغراق في عامية مبتذلة أبعدتنا عن أصول لغتنا. ثم أسلوب الأداء الرتيب الممل الذي نسمعه من مرتلين محترفين يكرون السورة من أولها إلى آخرها بنبرة واحدة لا يختلف فيها موقف الحزن عن موقف الفرح عن موقف الوعيد عن موقف البشرى عن موقف العبرة، نبرة واحدة رتيبة تموت فيها المعاني وتتسطح العبارات.

»

جوهر المقولة

يُقدم الكاتب هنا تحليلاً نقدياً عميقاً لأسباب فقدان العبارة القرآنية لتأثيرها الساحر والمدهش على آذان المستمعين المعاصرين. يُرجع مصطفى محمود هذا التبلد إلى عدة عوامل متضافرة. أولها هو التعود المفرط والألفة منذ الصغر، مما يُفقد النص قدسيته وجدته في الإدراك، ويُصيب النفس بالبلادة تجاه عظمته.

العامل الثاني هو الانغماس في العامية المبتذلة، الذي أدى إلى ابتعاد الأذن واللسان عن أصول اللغة العربية الفصحى التي نزل بها القرآن، وبالتالي فقدان القدرة على تذوق بلاغته وإعجازه اللغوي. أما العامل الثالث والأكثر إيلاماً في نظر الكاتب، فهو الأسلوب الرتيب والممل الذي يتبعه بعض المرتلين المحترفين. فهؤلاء يقرؤون السور بنبرة صوتية واحدة لا تتغير، لا تُميز بين آيات الحزن والفرح، الوعيد والبشرى، أو العبرة. هذا الأداء الخالي من التعبير يُفقد المعاني عمقها، ويُسطّح العبارات، مما يُحرم المستمع من التفاعل الروحي والعقلي مع النص القرآني، ويُطفئ جذوة الإعجاز التي ينبغي أن تشتعل في قلبه.