حكمة
نص موثق
«

أَتَظُنُّونَ أَنَّ مَنْ جَلَسَ يَذْكُرُ اللَّهَ بَعْدَ الصَّلَاةِ خَمْسَ دَقَائِقَ، كَمَنْ جَلَسَ يَذْكُرُ اللَّهَ خَمْسَ دَقَائِقَ وَرُبْعًا؟ فَأَيْنَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ)؟

»
عبد الله المطلق العصر الحديث

جوهر المقولة

تُشير هذه المقولة إلى مفهوم عميق في الفلسفة الأخلاقية الإسلامية، وهو قيمة الإحسان وتراكم الحسنات مهما صغرت. يتساءل الكاتب مستنكراً، هل يستوي في الأجر والثواب من يذكر الله لخمس دقائق فقط، ومن يزيد على ذلك ولو بربع دقيقة؟ هذا التساؤل ليس مجرد مقارنة كمية، بل هو دعوة للتأمل في قيمة كل عمل صالح، مهما بدا يسيراً أو قليلاً.

إنَّ جوهر المقولة يكمن في ربطها بالآية الكريمة: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ)، والتي تُعدُّ من الآيات المحورية في ترسيخ مبدأ العدل الإلهي والجزاء على الأعمال. فالله تعالى لا يُضيع أجر المحسنين، ولا يُغفل عن مثقال ذرة من الخير يفعله العبد. هذا المبدأ يُرسِّخ في النفس البشرية قيمة الاستمرارية في الطاعة، والحرص على زيادة الخير ولو بمقادير ضئيلة، فكل زيادة تُحسب، وكل جهد يُثاب عليه، وكل لحظة تُقضى في ذكر الله أو طاعته هي إضافة لرصيد العبد عند ربه.

الفلسفة الكامنة هنا هي أنَّ الكمال يُبنى من تراكم الأجزاء، وأنَّ الإخلاص في العمل الصالح، حتى لو كان قليلاً، يجعله ذا وزن عظيم عند الله. وهي دعوة كذلك لعدم استصغار أي عمل صالح، وعدم اليأس من قلة العمل، بل الحث على المداومة والزيادة، فالمقادير الصغيرة تتجمع لتُحدث فرقاً كبيراً في الميزان يوم القيامة. إنها تُعزِّز فكرة أنَّ كل جهد يُبذل في سبيل الله، مهما كان صغيراً، له قيمة وأثر، ويُكافأ عليه العبد بفضل الله وكرمه.