حكمة
نص موثق
«

في غابر الأزمان، كان كل ما يحيط به من مشاهد الطبيعة، وهواءٍ، وشوارعَ، وبشرٍ، يتأثرُ بعنفِ الحروبِ والبطالةِ والأمراضِ والشقاءِ اليوميِّ الذي يرزحُ تحت وطأتهِ غالبيةُ البشرِ. لم يكن بوسعهِ أن يستمتعَ بوهجِ الشمسِ دون أن يستحضرَ في ذهنهِ حالَ أولئك في أفريقيا، الذين كانت العظمةُ المتوهجةُ بالنسبةِ لهم مرادفًا للمزروعاتِ المحروقةِ والمجاعةِ. ولم يكن ليبتهجَ بهطولِ المطرِ، لأنهُ كان يُدركُ حجمَ القتلِ والدمارِ الذي تخلفهُ الأعاصيرُ في آسيا. كانت عناوينُ الصحفِ، بقوائمها الطويلةِ من الكوارثِ والقتلى والمظالمِ، هي التي تلونُ سماءهُ، وتُحددُ حرارةَ نهارهِ، وتُشكلُ نوعيةَ الهواءِ الذي يتنفسهُ. أما الآن، فقد غدا لا يتأثرُ ببؤسِ العالمِ، لأنهُ أصبحَ “واقعيًا”، فقد رأى أن العنفَ والقتلَ بشتى صورهِما مسائلُ مؤسفةٌ؛ إنها حقًا فظيعةٌ، لكن ما الذي بوسعهِ أن يفعلهُ حيالها؟! لم يكن لديهِ، كفردٍ، أيةُ وسيلةٍ لتغييرِ شيءٍ.

»
مارتن باج العصر المعاصر

جوهر المقولة

تُقدم هذه المقولة لمارتن باج تحليلًا عميقًا لتطور الوعي الإنساني وتغير علاقته بالواقع المؤلم. يصف الكاتب مرحلة سابقة كان فيها الفرد شديد الحساسية تجاه آلام العالم ومعاناته، لدرجة أن الجمال الطبيعي كان يتشوه في عينيه بسبب تداعيات الكوارث الإنسانية والطبيعية. كانت معانات الآخرين جزءًا لا يتجزأ من تجربته اليومية، تُلون عالمه وتؤثر في كل تفاصيله، مما يدل على تعاطف عميق وشعور بالمسؤولية الأخلاقية.

ثم ينتقل الكاتب لوصف تحول جذري في هذا الوعي. فالفرد في "الآن" أصبح "واقعيًا" بمعنى أنه تكيّف مع بؤس العالم، وتوقف عن التأثر به بنفس الدرجة. هذا "الواقعية" ليست بالضرورة إيجابية، بل هي شكل من أشكال التبلّد أو اليأس. لقد أدرك أن العنف والقتل فظيعان، لكنه وصل إلى قناعة بأنه لا يملك القدرة على التغيير كفرد، مما أدى إلى نوع من الاستسلام السلبي.

هذا التحول يطرح تساؤلات فلسفية حول طبيعة التعاطف الإنساني، وحدود المسؤولية الفردية، وتأثير العجز على الوعي الأخلاقي. هل "الواقعية" هنا هي نضج أم هروب؟ وهل التوقف عن التأثر يعني فقدان الإنسانية، أم أنه آلية دفاعية ضرورية للبقاء في عالم مثقل بالآلام؟ المقولة تعكس صراع الإنسان الحديث بين الرغبة في التغيير والشعور بالعجز أمام قسوة الواقع.