جوهر المقولة
تُبين هذه المقولة مسارًا انحداريًا للقيم الإنسانية والمجتمعية عبر التاريخ. ففي البدء، كانت المجتمعات تستمد أُسس تعايشها من الدين، الذي يُعدّ بمثابة إطار أخلاقي شامل ومصدر للعدالة والرحمة، يوجه النفوس ويهذب السلوك.
ولما اضمحل سلطان الدين وضعف تأثيره في النفوس، تحول الناس إلى التعايش بالمروءة، وهي مجموعة من الشيم النبيلة والأخلاق الفاضلة التي تدفع الإنسان إلى فعل الخير وتجنب السوء، حتى لو لم يكن هناك وازع ديني صريح. إنها ضمير المجتمع الذي يحفظ كرامة الفرد وصلاح الجماعة.
وعندما تلاشت المروءة وضعفت، لجأ الناس إلى الحياء، وهو شعور داخلي يمنع الإنسان من ارتكاب القبيح ويحثه على التستر والابتعاد عن مواطن الخزي. كان الحياء آخر حصن يقي المجتمع من الانفلات الأخلاقي التام.
أما الآن، فقد وصل الحال بالناس إلى مرحلة يتعايشون فيها بالرغبة والرهبة فحسب. فالرغبة هي المحرك الأساسي للأفعال، تدفعهم نحو تحقيق المصالح الشخصية والملذات العاجلة، بينما الرهبة (الخوف من العقاب أو العواقب) هي الرادع الوحيد الذي يحد من تجاوزاتهم. وهذا يُشير إلى غياب الوازع الأخلاقي الداخلي، وحلول المنفعة والخشية من القوة الخارجية محل القيم السامية. وتحذّر المقولة من أن ما سيأتي بعد هذه المرحلة سيكون أشد سوءًا، مما يُنبئ بتدهور أخلاقي واجتماعي أعمق.