جوهر المقولة
يكشف المعري في هذه المقولة عن أحد الدوافع العميقة التي قد تقود الإنسان إلى الزهد، وهو ليس بالضرورة دافعًا روحيًا بحتًا، بل قد يكون نتيجة لتجارب الحياة القاسية.
فـ 'تجربةُ الدنيا وأهوالُها' تشير إلى ما يمر به الإنسان من مصاعب، ومآسٍ، وظلم، وخيانة، وفقدان، وتقلبات الدهر، وما يراه من زيفٍ ونفاقٍ في المجتمعات البشرية. هذه التجارب المريرة، والأهوال التي تكتنف الوجود البشري، من حروب وأمراض وموت، كلها تكشف عن هشاشة الحياة وزوالها، وعن محدودية السعادة الدنيوية.
هذه الرؤية السوداوية أو الواقعية القاسية لـ 'أهوال الدنيا' هي التي 'حثَّت أخا الزهدِ على زهدهِ'. أي أنها دفعته وألهمته لتبني مسلك الزهد والابتعاد عن الانغماس في الدنيا. فالزهد هنا ليس بالضرورة نابعًا من رغبة في القرب الإلهي بقدر ما هو رد فعل على خيبات الأمل، واليأس من صلاح الدنيا، والسعي للتحرر من آلامها وأكدارها. إنه زهدٌ ينبع من الفلسفة التشاؤمية التي غالبًا ما طبعت فكر المعري، حيث يرى في الزهد ملاذًا من قسوة الواقع وعبث الوجود.