جوهر المقولة
تجسد هذه الأبيات للشاعر أحمد مطر قمة المعاناة واليأس العميق، حيث يصل الألم إلى درجة يتجاوز فيها ذاته ليؤثر على الأشياء المجردة التي تمثله. فـ 'القهر' نفسه يبكي من شدة قهر الشاعر، مما يدل على أن ما يعانيه الشاعر قد فاق كل تصور للقهر، وجعله يتجسد ككائن حي يشعر ويتألم.
و'الفم المر' الذي ينطق بالمرارة يصبح مصدراً للشفقة حتى من المرارة ذاتها، في إشارة إلى أن الكلمات التي تخرج منه مشبعة بمرارة لا تُطاق، حتى المرارة الأصلية تشفق عليها. أما 'الجمر الذي سال في النفس' فيعبر عن احتراق داخلي شديد، وكأن النار قد استقرت في جوهره، وبلغت من الشدة حداً جعلها تحرق نفسها بنفسها، في استعارة بليغة لتدمير الذات من فرط الألم والمعاناة. إنها صورة شعرية مكثفة تعبر عن ذروة الألم الوجودي، حيث تتلاشى الحدود بين الذات والآخر، وبين المجرد والمحسوس، في بوتقة من المعاناة التي لا تُحتمل.