جوهر المقولة
تُبرز هذه المقولة الفلسفية عمق البصيرة في طبيعة النفس البشرية وعلاقتها بالشهوات، مقدمةً حجة قوية مفادها أن كبح جماح الرغبات الفورية أسهل وأقل كلفة بكثير من تحمل تبعات إشباعها. فالمتأمل في عواقب الاستسلام للشهوة يجد أنها لا تقتصر على اللذة العابرة، بل تمتد لتشمل سلسلة من الآلام والعقوبات التي تتجاوز بكثير أي متعة مؤقتة.
تُفصّل المقولة هذه العواقب في صور متعددة؛ فالشهوة قد تجلب ألماً جسدياً أو نفسياً أو عقوبة دنيوية أو أخروية، وقد تحرم الإنسان من لذات أسمى وأبقى كرضا الضمير والراحة الروحية. كما أنها قد تضيع وقتاً ثميناً في غير محله، ليتحول هذا الضياع إلى حسرة وندامة لاحقتين. ومن أشد عواقبها ثلماً للعرض والسمعة، وإذهاباً للمال الذي كان بقاؤه خيراً، وحطاً للقدر والجاه الذي كان قيامه أنفع.
ولا تتوقف عند هذا الحد، بل قد تسلب نعماً موجودة كان بقاؤها ألذ وأطيب، وتفتح الأبواب لوضيع لم يكن ليجد سبيلاً، وتجلب أنواعاً من الهموم والغموم والأحزان والخوف لا تقارن بلذة الشهوة الزائلة. وقد تؤدي إلى نسيان العلم النافع الذي تذكره أشهى من أي لذة حسية، أو تشمت عدواً، أو تحزن ولياً، أو تقطع الطريق على نعم مقبلة كان يمكن أن تتحقق. وفي أعمق صورها، تحدث عيباً يصبح صفة ثابتة في النفس، لأن الأعمال المتكررة تورث الصفات وتصوغ الأخلاق، فتصبح الشهوة طريقاً لاكتساب رذائل دائمة.