الدنيا: إذا كَسَتْ أو كَسَتْ، أو حَلَّتْ أو حُلَّتْ، أو جَلَّتْ أو جُلَّتْ. فالسعيد من ضَرَبَ رِبَاعَهَا، وإذا مَدَّتْ له بَاعَهَا، بَاعَهَا.
»جوهر المقولة
تُعدّ هذه المقطوعة الأدبية البليغة تأملًا عميقًا في طبيعة الحياة الدنيا وزوالها، مُستخدمةً الجناس والتلاعب بالألفاظ لتعميق المعنى. فهي تُصور الدنيا على أنها كيان مُتقلب، يُمكن أن تمنح وتُغطي بالخير ('كَسَتْ')، أو تُعري وتُجرد ('كَسَتْ' بمعنى أخذت أو سلبت)، وقد تكون حلوة ومُباحة ('حَلَّتْ')، أو تنحل وتتلاشى ('حُلَّتْ')، وقد تظهر عظمتها وتتجلّى ('جَلَّتْ')، أو تُجلّ وتُعظّم من قبل الناس ('جُلَّتْ').
السعيد حقًا، في نظر الكاتب، ليس من يلهث وراء متاعها، بل هو من أدرك جوهرها وملك زمام نفسه فيها ('ضَرَبَ رِبَاعَهَا' كناية عن التحكم والسيطرة)، ومن يرفض إغراءاتها ويُعرض عنها عندما تمد له يدها وتُغويه ('وإذا مَدَّتْ له بَاعَهَا، بَاعَهَا' كناية عن الزهد والتخلي).
ثم تنتقل المقطوعة إلى تذكير قاسٍ بحتمية الموت وفناء كل شيء، مُوجهةً خطابها لمن يغترّ بسلامة العيش ودوامه ('يا معتزًا بالسلامات'). تُسرد أمثلة واقعية: كم من مُحبٍّ لم ينسَ محبوبه حتى مات، وكم من ملكٍ رُفِعَتْ له رايات العز، فلما بلغ ذروة المجد، أدركه الموت. وكم من مريضٍ زرناه في مرضه، فلم يَعُدْ إلى الحياة بعد ذلك.
وتُختتم المقطوعة بتوبيخ مؤلم للبشرية على غفلتها: 'وكم من قبورٍ تُبْنَى وما تُبْنَا'. فبينما نرى القبور تُشاد وتُجهز، وهي تذكير دائم بنهايتنا المحتومة، فإننا لا نعتبر ولا نتوب إلى الله، ولا نستعد للآخرة، مُبينًا بذلك عمق الغفلة الإنسانية عن حقيقة الوجود والمصير.