حكمة
نص موثق
«

ابكِ ما شئتَ من البكاء، فلا شيءَ في الدنيا يستحقُّ أن تُهرقَ عليه دموعَك. لا فقرُكَ ولا فشلُكَ ولا تخلُّفُكَ ولا مرضُكَ؛ فكلُّ هذه الأمورِ يمكنُ تداركُها أو تجاوزُها. أما الخطيئةُ العظمى التي تستحقُّ أن تبكيَها بحرقةٍ فهي خطيئةُ البعدِ عن إلهِكَ وخالقِكَ. فإن ضيَّعتَ صلتَكَ بربِّكَ، فلن يعوِّضَكَ شيءٌ في الوجودِ عن هذا الفقدِ الجللِ.

»

جوهر المقولة

تُشير هذه المقولة الفلسفية العميقة إلى جوهر القيم الإنسانية وموضعها في سلم الأولويات الوجودية. يرى مصطفى محمود أن الدموع التي تُسكب على متاع الدنيا ومصائبها – كالفقر والفشل والتخلف والمرض – هي دموعٌ في غير محلها، لأن هذه الأمور كلها عوارض يمكن تجاوزها أو إصلاحها أو التعافي منها. هي ابتلاءاتٌ مؤقتةٌ لا تُمسُّ جوهر الكينونة الإنسانية.

أما البكاء الحقيقي المستحق، فهو ما كان على خطيئة البعد عن الخالق. هنا ينتقل الفيلسوف من المادي والزمني إلى الروحي والأبدي. ففقدان الصلة بالله هو الفقدان الأكبر الذي لا يمكن تعويضه بأي شيء آخر، لأنه يمسُّ معنى الوجود وغايته، ويُفقد الإنسان بوصلته الأخلاقية والروحية، ويُلقيه في غياهب العدمية والضياع. إنها دعوةٌ إلى إعادة ترتيب الأولويات، ووضع العلاقة مع الله في رأس الهرم الوجودي، باعتبارها أساس السكينة والطمأنينة والمعنى الحقيقي للحياة.