حكمة
نص موثق
«

أيا أمَّ الأسيرِ، سقاكِ غيثٌ… بكرهٍ منكِ ما لاقاه أسيرُ. إذا ابنُكِ سارَ في برٍّ وبحرٍ… فمَن يدعو له أو يستجيرُ؟

»
أبو فراس الحمداني العصر العباسي

جوهر المقولة

هذه الأبيات لأبي فراس الحمداني، وهو أسير سابق، تعكس عمق الألم الإنساني والشعور بالعجز الذي يعتري الأم عند فقدان ابنها أو أسره. يبدأ الشاعر بالدعاء للأم بالسقيا، وهو دعاء بالخير والرحمة، لكنه يربط ذلك بما لاقاه الأسير من كره ومعاناة، في إشارة إلى أن الألم الذي يعيشه الأسير يفوق التصور، وربما يفوق حتى كره الأم لعدوها أو لظروف الأسر.

ثم ينتقل إلى التساؤل الفلسفي المؤلم: "إذا ابنك سار في برٍّ وبحرٍ... فمَن يدعو له أو يستجير؟" هذا التساؤل ليس مجرد استفهام بلاغي، بل هو صرخة يأس وشعور بالانقطاع عن كل سند. إنه يبرز الوحدة المطلقة للأسير، الذي يواجه مصيره بمفرده، بعيدًا عن عون الأهل والأحباب. الأم هي آخر من يمكن أن يُعول عليه في الدعاء والاستجارة، فإذا غاب ابنها عنها، فمن سيبقى له؟ هذا يعمق الإحساس بالضياع واليأس، ويصور حالة الأسير ككائن منقطع عن العالم، لا يجد من يمد له يد العون أو يرفع أكف الضراعة لأجله. إنه تصوير مؤثر للمعاناة الإنسانية في أقصى صورها، حيث تتلاشى كل أشكال الدعم والرجاء.