حكمة ينادون بالحرية والعدل والمساواة، فهل يحتملون فعلاً تلك القيم السامية؟ هل يقبلونها لغيرهم أم يبتغونها لأنفسهم فحسب؟ لقد ثاروا من أجلها، فأين هي تلك الحرية التي منحوها لخصومهم؟ من منهم توخى العدل حين سنحت له فرصة الظلم؟ من منهم عامل الآخرين بالمساواة التي كان يطالب بها؟ لا أحد منهم، لا الإخوان ولا السلفيون ولا اليساريون ولا الديمقراطيون.
الفلسفة الوجودية كيف لي أن أحيا في مكان أدرك أنه ينهش مني جزءًا كل يوم، من بدني ومن روحي؟ هل هذه ضريبة محتومة عليّ دفعها؟ ولماذا يتوجب عليّ سدادها؟
حكمة إنني لَغاضبٌ أشدَّ الغضب، ولا أرغبُ في الانتماءِ لأيِّ بلدٍ أو عرقٍ أو سماءٍ بعينها أو أرضٍ محددة. بل أصبو أن أكون كائنًا مُركَّبًا من جوهر الخيول الجامحة، ومياه الأنهار المتدفقة، وروح الترحال الدائم. إن أكثر ما يشغل فكري الآن هو المطر والنار والرحيل. أتوقُ لأن أنضجَ لأبحثَ عن لونٍ جديدٍ أَمزجهُ بألوان حياتي، وعن أغنيةٍ جديدةٍ أؤلفُها أو أحفظُها لتكونَ لي سندًا حين أنوي عبور أرضٍ إلى أخرى. أريد أن أحيا لأحصي أساوري وملابسي البسيطة، وأن أكونَ منشغلًا بالخواتم والقلائد والرقص فحسب! وإن هرولتُ، فلا أريدُ لذلك أن يكونَ بدافعِ يقينٍ واحدٍ أو جذرٍ يملي عليَّ حياتي من الخلف. بل أرغبُ في العدوِ حينما يؤلمني جوعي للحياة، وحينما تضايقني الحقيقة؛ أريد أن أجابهها بالسفر والمضي قُدُمًا. أحتاج ألا أعبأ بأي ماضٍ، وأن أفتش عن مستقبلٍ جديد. وشرطي الوحيد ألا ينفصلَ وجودي عن الطبيعة والرقص، وألا يقفَ شيءٌ بيني وبين حريتي!
حكمة أحبُّ يوم الأربعاء، ولا أذكر أنني توقفتُ قطُّ عن هذا الحب أو عن تأمله. ربما لأنه كان يمثل في أعماقي طعم الفكاك من قيدٍ ما، وإن كنتُ غير قادرٍ على تحديده بدقة. فالأربعاء هنا يعني الزيارات العائلية، والركض عصرًا مع الأقارب وأبناء الحي، ويعني كذلك أن أبي سيأذن لي بالسهر حتى الثانية عشرة ليلًا. كان هذا أقصى ما أتمناه؛ ألا أكون في فراشي فور انتهائي من صلاة العشاء.
فلسفة سياسية إنكم قد تشترون الحمد من بعض عبيد الشهوات، إنكم قد تستذلون رقاب الطامعين الأقوياء، إنكم قد تخنقون الكلمات، إنكم قد تسجنون الريح في عرض الفضاء، إنكم قد تطمسون النور في جوف الشعاع؛ لكن التاريخ أقوى منكم، التاريخ حر لا يُباع.
حكمة لا المدافع ولا كل قوى العالم تستطيع أن تخرس صوت شعب مصر أو تحكمه رغماً عنه. ستظل الأمة مصدر السلطات رغم كل شيء، وسيظل الشعب مصراً على أن يكون صاحب الكلمة. ولربما أفلحت البنادق في أن ترهب، ولكن الرصاص لن يخرس صرخات العدل والحرية. وقد تفلح القوة الغاشمة في أن تنتزع الأرض، وفي أن تزحم السجون بالأحرار، وأن تصنع الأزمة فلا يفكر أحد إلا في لقمة العيش. ولكن الناس يدركون أن الحرية هي التي توفر الطعام، وأن الدستور هو الذي يضمن الحقوق، وأن اختيارهم الحر لمن يحكمون هو الذي يضمن شروطاً إنسانية للحياة.
حكمة حوار الوليد والحسين: الوليد: نحن لا نطلب إلا كلمة. فلتَقُلْ: “بايعتُ” واذهب بسلام لجموع الفقراء. فلتَقُلْها وانصرف يا ابن رسول الله حقنًا للدماء. فلتَقُلْها… آه ما أيسرها… إن هي إلا كلمة. الحسين: (منتقضًا) كَبُرَتْ كلمة! وهل البيعة إلا كلمة؟ ما دين المرء سوى كلمة، ما شرف الرجل سوى كلمة، ما شرف الله سوى كلمة. ابن مروان: (بغلظة) فَقُلِ الكلمة واذهب عنا. الحسين: أتعرف ما معنى الكلمة؟ مفتاح الجنة في كلمة، ودخول النار على كلمة، وقضاء الله هو الكلمة. الكلمة لو تعرف حُرمتها لكانت زادًا مدخورًا. الكلمة نور، وبعض الكلمات قبور. بعض الكلمات قلاع شامخة يعتصم بها النبل البشري. الكلمة فرقان بين نبي وبغي. بالكلمة تنكشف الغمة. الكلمة نور ودليل تتبعه الأمة. عيسى ما كان سوى كلمة، أضاء الدنيا بالكلمات وعلمها للصيادين، فساروا يهدون العالم! الكلمة زلزلت الظالم. الكلمة حصن الحرية. إن الكلمة مسؤولية. إن الرجل هو الكلمة. شرف الرجل هو الكلمة. شرف الله هو الكلمة. ابن الحكم: وإذن؟! الحسين: لا رد لدي لمن لا يعرف ما معنى شرف الكلمة. الوليد: قد بايع كل الناس يزيدًا إلا أنت… فبايعه. الحسين: ولو وضعوا بيدي الشمس…! ابن مروان: فلتقتله… اقتله بقول الله تعالى… ابحث عن آية… اقتله بقول رسول الله فيمن خرج عن الإجماع. الحسين: أتقتلني يا ابن الزرقاء بقول جدي فيمن نافق؟ أتُزَيِّفُ في كلمات رسول الله أمامي يا أحمق؟ أتقتلني يا شر الخلق؟ أتُؤَوِّلُ في كلمات الله لتجعلها سوط عذاب تُشَرِّعُهُ فوق امرئ صدق؟