جوهر المقولة
يطرح يوسف السباعي في هذه المقولة تساؤلاً فلسفياً عميقاً حول طبيعة الشعب الذي يرزح تحت وطأة الفقر والجهل والمرض، ولكنه لا يبادر إلى تغيير واقعه. يقدم السباعي تفسيرين محتملين لهذه السلبية، وكلاهما يحمل دلالات نفسية واجتماعية قاسية.
التفسير الأول: "إما شعب يكره ذاته؛ لأنه، على الرغم مما يُشاع عنه من كونه مصدر السلطات، يأبى أن يصلح حاله ويعالج مصابه ويزيل عن نفسه ذلك القيد الثقيل من الفقر والجهل والمرض." هنا، يرى السباعي أن عدم مبادرة الشعب لإصلاح حاله، رغم امتلاكه للقوة النظرية (مصدر السلطات)، يمكن أن يُفسّر على أنه شكل من أشكال كراهية الذات الجماعية. فكأن الشعب يعاقب نفسه أو يرضى بالذل والشقاء، رافضاً التحرر من القيود الثلاثية للفقر والجهل والمرض. هذا التفسير يشير إلى فقدان الإرادة الجماعية أو الشعور العميق باليأس والعجز الذي يدفع إلى السلبية المطلقة.
التفسير الثاني: "وإما أنه شعب زاهد، قد ألف ذلك البؤس الذي يغرق فيه، والحرمان الذي يشدّ بخناقه." في هذا التفسير، لا يكون الأمر كراهية للذات بقدر ما هو استسلام للواقع المرير. الشعب هنا يصبح "زاهداً" بمعنى أنه قد اعتاد على البؤس والحرمان لدرجة أنه ألفهما وأصبح يتقبلهما كجزء طبيعي من وجوده. هذا الزهد ليس اختياراً روحياً نبيلاً، بل هو نتيجة للتعود الطويل على المعاناة، مما يؤدي إلى خمود الروح الثورية وفقدان الرغبة في التغيير. يصبح الحرمان قيداً يشد بخناقه، لكنه قيد مألوف لا يحفز على التمرد.
تُبرز المقولة بذلك معضلة عميقة تتعلق بالوعي والإرادة الشعبية، وتدعو إلى التفكير في الأسباب الكامنة وراء خمول الشعوب في مواجهة محنها، سواء كانت تلك الأسباب نفسية (كراهية الذات) أو اجتماعية (التعود على البؤس).