حكمة
نص موثق
«

أليس من الغبن أن يأكل الجزار لحم الميت؟!

»
حكيم غير معروف العصور الوسطى

جوهر المقولة

تُطرح هذه المقولة على هيئة استفهام إنكاري، لا يطلب إجابة بقدر ما يؤكد على حقيقة مُرة وواقعة صادمة. كلمة "الغبن" هنا لا تعني مجرد الظلم، بل تحمل دلالة أعمق تشير إلى الخسارة الفادحة، الخيبة، أو الخيانة غير المتوقعة، خصوصًا عندما تأتي من شخص يُفترض فيه أن يكون حارسًا أو خبيرًا في مجال معين.

يكمن جوهر المفارقة الفلسفية في شخصية "الجزار". فالجزار هو من مهنته التعامل مع اللحوم، ويفترض فيه المعرفة التامة بأنواع اللحوم الحلال والطاهرة، وطرق الذبح الشرعية، وما هو صالح للاستهلاك وما هو محرم أو فاسد. لذلك، فإن قيامه بـ "أكل لحم الميت" (أي الميتة، وهي اللحم غير المذبوح شرعًا والذي يُعد نجسًا ومحرمًا في الشريعة الإسلامية، ويُشير كذلك إلى كل ما هو فاسد أو غير مشروع) يمثل تناقضًا صارخًا وخيانة لمهنته ولمبادئه.

تتجاوز المقولة معناها الحرفي لتُصبح رمزًا للنفاق، والتناقض الأخلاقي، وفساد الضمير. إنها تُشير إلى الشخص الذي يمتلك المعرفة أو السلطة في مجال معين، لكنه يتصرف بما يُخالف جوهر هذا المجال، أو يرتكب أفعالًا تتنافى مع القيم التي يُفترض أن يمثلها. إنها صرخة ضد الفساد الداخلي، وضد من يبيع مبادئه ويُخالف ما يدعو إليه، مُسلطةً الضوء على عمق الخيبة التي يُحدثها هذا النوع من الغبن.