حكمة
نص موثق
«

أسوحُ بتلكَ العيونِ على سُفُنٍ من ظنونِ هذا النقاءِ الحنونِ. أشقُّ صباحًا .. أشقُّ وتَعْلَمُ عيناكِ أنِّي أُجَدِّفُ عبرَ القرونِ جُزُرًا .. فهل تُدركينْ؟ أنا أولُ المبحِرينَ على حبالي هناكَ .. فكيفَ تقولينَ هذي جُفُونْ؟ تجرحُ صدرَ السكونِ. تساءلتِ، والفُلْكُ سَكْرَى: أَفي أَبَدٍ من نجومٍ ستبحرُ؟ هذا جنونْ! قذفتُ قُلُوعي إلى البحرِ لو فكَّرتْ أنْ تهونَ على مرفأٍ لن يكونْ. عزائي إذا لم أعُدْ: أَفي أَبَدٍ من نجومٍ ستبحرُ؟ هذا جنونْ! قذفتُ قُلُوعي إلى البحرِ لو فكَّرتْ أنْ تهونَ. ويسعدني أن ألوبَ على مرفأٍ لن يكونْ. عزائي إذا لم أعُدْ أنْ يُقَالَ: انتهى في عيونْ.

»
نزار قباني معاصر

جوهر المقولة

تُعد هذه القصيدة رحلة شعرية وجودية عميقة، تتجاوز حدود الزمان والمكان، وتتغلغل في أعماق الذات والعشق. يصور الشاعر نفسه ملاحًا أبديًا، يبحر في عيون محبوبه التي يراها كونًا لا متناهيًا من النقاء والظنون، مجدفًا عبر القرون في بحث دائم عن الجزر المجهولة.

هذا الإبحار ليس مجرد رحلة عادية، بل هو تحدٍ للواقع وللمفاهيم التقليدية للحب والوجود. يرفض الشاعر أن تكون العيون مجرد جفون، بل هي بوابات لأسرار عميقة تجرح صدر السكون، وتدعو إلى التساؤل عن حدود الممكن. الجنون هنا ليس ضعفًا، بل هو قوة دافعة تدفع الشاعر إلى التضحية بكل شيء، حتى بقُلوعه، إذا فكرت في الاستسلام أو التراجع عن هذا العشق المطلق الذي يتجاوز المرافئ المادية.

فلسفيًا، تعبر القصيدة عن الشغف اللامتناهي والبحث عن المطلق، حيث لا يهم الوصول إلى مرفأ محدد بقدر ما يهم استمرارية الرحلة نفسها، وصدق التضحية في سبيلها. العزاء الأخير للشاعر ليس في النجاة أو العودة، بل في أن يُقال عنه إنه "انتهى في عيونْ"، أي أنه ذاب وتلاشى في عمق هذا العشق الأبدي، ليصبح جزءًا من جوهر المحبوب، وهو ما يمثل أسمى مراتب الفناء في الحب الوجودي.