حكمة
نص موثق
«

المرأة الصالحة تكون في صحبة زوجها الرجل الصالح سنين كثيرة، وهي متاعه الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة المؤمنة، إن نظرت إليها أعجبتك، وإن أمرتها أطاعتك، وإن غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك). وهي التي أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله لما سأله المهاجرون: أي المال نتخذ؟ فقال: (لسانًا ذاكرًا، وقلبًا شاكرًا، أو امرأة صالحة تعين أحدكم على إيمانه) رواه الترمذي، من حديث سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان. ويكون منها من المودة والرحمة ما امتنَّ الله تعالى به في كتابه، فيكون ألم الفراق أشد عليها من الموت أحيانًا، وأشد من ذهاب المال، وأشد من فراق الأوطان، خصوصًا إن كان لأحدهما علاقة بصاحبه، أو كان بينهما أطفال يضيعون بالفراق ويفسد حالهم.

»
ابن تيمية العصور الوسطى

جوهر المقولة

يُقدم ابن تيمية في هذه المقولة رؤية متكاملة لدور المرأة الصالحة في بناء الأسرة والمجتمع، مستندًا إلى النصوص الشرعية والفهم العميق للفطرة الإنسانية. يبدأ بتأكيد قيمة المرأة الصالحة كخير متاع الدنيا، مستشهدًا بحديث نبوي يصفها بالجمال الظاهر والطاعة الباطنة والأمانة في الغيب. هذا الوصف لا يقتصر على الجمال الشكلي، بل يتعداه إلى جوهر السلوك والأخلاق التي تجعلها سندًا لزوجها.

ثم ينتقل إلى الجانب الإيماني، حيث يربط وجود المرأة الصالحة بتقوية إيمان الرجل، جاعلاً إياها جزءًا لا يتجزأ من الثروة الحقيقية التي يجب أن يسعى إليها المسلم، إلى جانب اللسان الذاكر والقلب الشاكر. هذا الربط يرفع من مكانة العلاقة الزوجية من مجرد رابطة دنيوية إلى وسيلة لتعزيز التقوى والارتقاء الروحي.

ويختتم ابن تيمية بتحليل عمق العلاقة العاطفية بين الزوجين الصالحين، مشيرًا إلى أن المودة والرحمة التي يباركها الله في القرآن تجعل ألم الفراق بينهما أشد قسوة من الموت أو فقدان المال أو الوطن. هذا التأكيد يبرز القيمة الروحية والعاطفية للعلاقة الزوجية المستقرة، ويسلط الضوء على المعاناة العميقة التي يسببها الانفصال، خاصة عندما يكون هناك أطفال يتأثرون سلبًا بهذا الفراق، مما يفسد حالهم ويضيع مستقبلهم. إنها دعوة للحفاظ على كيان الأسرة وتقديس العلاقة الزوجية كأحد أهم أركان المجتمع.