حكمة
نص موثق
«

ذاكرتي رمانة، هل أفرطها عليك حبة حبة، وأنثرها عليك لؤلؤاً أحمر يليق بوداعٍ لا يطلب مني شيئاً غير النسيان؟

»
محمود درويش العصر الحديث والمعاصر

جوهر المقولة

تُجسد هذه المقولة الشعرية لمحمود درويش صراعاً وجودياً عميقاً بين الذاكرة والنسيان في سياق الوداع. تبدأ المقولة باستعارة بليغة للذاكرة بأنها "رمانة"، وهي فاكهة غنية بحباتها المتراصة، مما يوحي بامتلاء الذاكرة بالتفاصيل واللحظات المتعددة، التي قد تكون حلوة ومرة في آن واحد.

السؤال البلاغي "هل أفرطها عليك حبة حبة، وأنثرها عليك لؤلؤاً أحمر؟" يعكس رغبة الشاعر في تفكيك هذه الذاكرة الغنية وتقديمها بكل تفاصيلها، بل وتحويلها إلى شيء ثمين وجميل كـ"اللؤلؤ الأحمر"، الذي قد يرمز إلى الشغف، الألم، الدم، أو الذكريات الثمينة المصبوغة بالحزن. هذا العرض للذاكرة هو فعل إهداء أخير، محاولة لإضفاء قيمة على ما كان.

لكن المفارقة المأساوية تكمن في الشطر الأخير: "يليق بوداعٍ لا يطلب مني شيئاً غير النسيان". هنا يتجلى الصراع الفلسفي؛ فبينما يقدم الشاعر كنز ذكرياته، فإن الطرف الآخر (المودَّع أو القدر) لا يطلب سوى النسيان، أي محو كل هذا التاريخ الثمين. هذا يخلق ألماً مضاعفاً: ألم الفراق، وألم الإحساس بأن كل ما كان ذا قيمة يُطلب منه أن يضمحل. المقولة تُبرز عبء الذاكرة وجمالها في آن واحد، وقسوة الوداع الذي يسعى إلى إنكار الماضي بدلاً من تكريمه.