فلسفة الحياة، شعر، حكمة، تشاؤم
نص موثق
«

ولما صارَ ودُّ الناسِ خَبًّا، جزيتُ على ابتسامٍ بابتسامِ. وصرتُ أشكُّ فيمنْ أصطفيهِ، لعلمي أنَّهُ بعضُ الأنامِ.

»
المتنبي العصر العباسي

جوهر المقولة

يُعبّرُ المتنبي في هذا البيتِ عن خيبةِ أملٍ عميقةٍ في طبيعةِ العلاقاتِ الإنسانيةِ في زمانهِ، أو ربما في طبيعةِ البشرِ عمومًا. فكلمةُ "خَبًّا" تُشيرُ إلى الغشِّ والخداعِ والمكرِ، مما يُوحي بأنَّ المودةَ التي كان يرجوها من الناسِ قد تحوّلت إلى مجردِ مظاهرَ زائفةٍ لا تحملُ في طياتها صدقًا أو إخلاصًا.

قولهُ "جزيتُ على ابتسامٍ بابتسامِ" يُصورُ ردَّ فعلٍ دفاعيًا ومُتشائمًا. فبدلًا من أن يُقابلَ المودةَ بمودةٍ أعمقَ، أو الإحسانَ بإحسانٍ يفوقهُ، أصبحَ يُجاري الناسَ في سطحيتهم. فالابتسامةُ هنا ليست تعبيرًا عن فرحٍ حقيقيٍّ أو ودٍّ صادقٍ، بل هي مجردُ ردِّ فعلٍ مُماثلٍ، قناعٌ يُخفي وراءهُ شكًا وحذرًا، وكأنَّهُ يقولُ: لن أُبادرَ بمشاعرَ حقيقيةٍ تجاهَ من لا يُظهرُ لي إلا زيفًا.

أما الشطرُ الثاني "وصرتُ أشكُّ فيمنْ أصطفيهِ، لعلمي أنَّهُ بعضُ الأنامِ"، فيُعدُّ ذروةَ التشاؤمِ واليأسِ. فالمتنبي، بذكائهِ وفطنتهِ، لم يعدْ يثقُ حتى فيمن يختارهم أصدقاءً أو مقربين. والسببُ العميقُ لهذا الشكِّ هو إدراكُهُ أنَّ هؤلاءِ، مهما بدوا مختلفين، هم في النهايةِ "بعضُ الأنامِ"، أي جزءٌ من هذه البشريةِ التي أصبحتْ مَجبولةً على الخداعِ والتقلبِ. هذا الإدراكُ يُجرِّدُ العلاقاتِ من قدسيتها، ويُلقي بظلالِ الريبةِ على كلِّ اختيارٍ، مما يُفقدُ الشاعرَ الثقةَ في إمكانيةِ وجودِ ودٍّ خالصٍ ومُستمرٍّ.

تُجسدُ هذه الأبياتُ تجربةً إنسانيةً مريرةً، حيثُ يُصبحُ الحذرُ والشكُّ رفيقين دائمين لمن خُذلَ مرارًا، وتُظهرُ كيفَ أنَّ خيبةَ الأملِ قد تُحوِّلُ المرءَ إلى مراقبٍ حذرٍ للعالمِ، يُرى فيهِ كلُّ شيءٍ بعينِ الريبةِ والتشاؤمِ.