حكمة
نص موثق
«

اغتنمْ غفلةَ المنيةِ، واعلمْ أنَّ الشيبَ جسرٌ إليها. فكم من كبيرٍ يُقصى يومَ القيامةِ، وكم من صغيرٍ له عند اللهِ قدرٌ عظيمٌ.

»
محمود الوراق العصر العباسي

جوهر المقولة

إن هذه المقولة دعوةٌ فلسفيةٌ عميقةٌ لاستثمار العمرِ قبل فواتِ الأوانِ، وتذكيرٌ دائمٌ بحقيقةِ الموتِ الذي لا مفرَّ منه. فـ"اغتنمْ غفلةَ المنيةِ" تعني استغلالَ فترةِ الحياةِ التي لم يداهمنا فيها الموتُ بعدُ، والاجتهادَ في صالحِ الأعمالِ قبلَ أنْ يباغتَنا الأجلُ الذي يأتي بغتةً دونَ سابقِ إنذارٍ، وكأنَّ الموتَ يغفلُ لحظةً عنَّا فننتهزُها للعملِ الصالحِ.

ثمَّ يربطُ الشاعرُ بينَ الشيبِ والموتِ بقولهِ: "واعلمْ أنَّما الشيبُ للمنيةِ جسرُ"، وهي استعارةٌ بليغةٌ تُصوِّرُ الشيبَ علامةً من علاماتِ تقدُّمِ العمرِ وقربِ الأجلِ. فالشيبُ ليسَ مجرَّدَ تغيُّرٍ في المظهرِ، بل هو إشارةٌ كونيةٌ إلى أنَّنا نعبرُ جسرَ الحياةِ نحو الضفةِ الأخرى، ضفةِ الموتِ والآخرةِ، مما يستدعي اليقظةَ والاستعدادَ.

ويختتمُ الشاعرُ حكمتَهُ بالتذكيرِ بيومِ القيامةِ، حيثُ تتلاشى الفوارقُ الدنيويةُ وتُعادُ الموازينُ: "كم كبيرٍ يومَ القيامةِ يُقصى وصغيرٍ له هنالك قدرُ". هذا الجزءُ يحملُ بُعدًا أخلاقيًا واجتماعيًا عميقًا، فالمقاييسُ الإلهيةُ تختلفُ عن مقاييسِ البشرِ. فليسَ العِظَمُ بالمنصبِ أو الثراءِ أو العمرِ، بل بالتقوى وصالحِ العملِ. فكم من ذي شأنٍ في الدنيا يُهانُ ويُبعدُ عن رحمةِ اللهِ، وكم من متواضعٍ فقيرٍ أو صغيرٍ في السنِّ يكونُ له عندَ اللهِ مكانةٌ عظيمةٌ وقدرٌ رفيعٌ بسببِ إيمانِهِ وعملِهِ الصالحِ. إنها دعوةٌ للتواضعِ والعملِ الصادقِ بعيدًا عن بهرجةِ الدنيا وزيفِها.