الشعر
نص موثق
«

رباعيات حيرة
طائفٌ قد طافَ بي في السَّحَرِ، ساكبًا في عدمٍ يصخبُ كأسَ العمرِ.
صحتُ: يا مولاي، ما هذا الذي تفعلهُ؟ شَذَرَ المولى، فذابت مهجتي بالشَّذَرِ.

قمتُ مذهولًا إلى إبريقِ خمري ثملًا، علَّني أطفئُ نيرانَ ارتباكي بالطلا.
سكبَ الإبريقُ في كأسي فراغًا صامتًا. آهِ مولاي، فراغُ الكأسِ بالصمتِ امتلأ.

انقر الكأسَ إذا ما نضبت، واشرب رنينَ الكأسِ، واثمل بالرنين.
كلُّ كأسٍ خمرةٌ، حتى إذا كان بها ماءٌ حزين.
فإذا ما لائمٌ لامَكَ فيها، قل: صحيحٌ، إنما من يُسكِتُ الأوجاعَ في ليلٍ بلا دنيا ودين؟

ثمَّ طيرٌ يُرسلُ الشكوى، كم الصوتُ مرير!
باكيًا في قفصِ الغربةِ، لا يدري بماذا يستجير.
إنه مثلي كسيرُ القلبِ. اشرب، ليس عدلٌ أنَّ طيرًا ذا جناحٍ لا يطير.

غمزَ الصاحونَ أني ثملٌ، ما كذبوا.
جئتني من لُبَّةِ القلبِ، أنا مضطرب.
لم أعد أبصرُ غيرَ تعدادكَ يا واحدُ، يا كلُّ. لهذا أشربُ.

تبتلي العاشقَ بالحزنِ وبالخمرِ كثيرًا.
زد من الاثنينِ، فالصحوُ من العشقِ خطيرُ.
جثمَ الحملُ على ظهري ولم أجثُ، وما زلتُ على الدربِ أسيرُ.

ما لبعضِ الناسِ يرميني بسكري في هواك، وهو سكرانٌ عماراتٍ يسميها رضاك؟
يا ابنَ جيبينِ حرامًا، إنني أسكرُ كي أحتملَ الدنيا التي فيها أراك.

مرَّ ريقي بحروبِ الجهلِ من كلِّ الجهاتِ، أفلا تملأ إبريقي بساتينُ الفرات؟
قلقًا أدعو شتاتَ الطيرِ: لمُّوا الشملَ، ما الموتُ سوى هذا الشتات.

الثلاثونَ من الغربةِ قد ضاعت سُدًى، لم يعد للطائرِ الحرِّ سوى صمتِ جناحيهِ مدى.
كسماواتِ الأغاني امتلكتها أنكرُ الغربانِ صوتًا، ولقد أيُّ حمارٍ يملكُ الجوَّ غدًا؟

لِمَ تأخرتَ عن الموعدِ ساعاتٍ وقد كادَ النهارُ؟ اعذريني، كان توقيتي على القمةِ، لم أدرِ إلى الخلفِ تُدار.
كلُّ ما قالوه معقولٌ، ولكن من يصدقُ ذرةً منهُ حمارٌ.

سيدي، تمَّ غنائي، إنما عتبٌ صغير: لِمَ لَمْ تجعل لبعضِ الناسِ أشكالَ الحميرِ؟ فتريحَ الناسَ منهم، أم تُرى أنَّ المطايا سوف تحتجُّ على هذا المصير؟

»
مظفر النواب العصر المعاصر

جوهر المقولة

تُعدُّ هذه الرباعيات رحلةً وجوديةً عميقةً في دواخل النفس البشرية، تتأرجح بين الحيرة الروحية، والبحث عن الخلاص، والنقد الاجتماعي اللاذع. الشاعر يتناول ثيمة السُكر ليس بالمعنى الحرفي فقط، بل كحالةٍ من الهروب الواعي من واقعٍ قاسٍ، أو كسبيلٍ لإدراك حقائق أعمق لا تُدرك في حالة الصحو العادي.

تُبرز الرباعيات صراع الإنسان مع الغربة، سواء كانت غربة مكانية أو روحية، والشعور بالضياع وفقدان المعنى في عالمٍ يتسم بالجهل والنفاق. يُظهر الشاعر تمرده على المعايير الاجتماعية والدينية السطحية، مُتسائلًا عن جدوى العبادات الشكلية في ظل غياب العدل والأخلاق. كما تُشير إلى خيبة الأمل من الواقع السياسي والاجتماعي، حيث يرى أنَّ من يدّعون الصلاح ليسوا سوى سكارى بملذات الدنيا، بينما هو يسكر ليحتمل رؤية الحقيقة المؤلمة.

تتخلل القصيدة لمحات من التصوف والعشق الإلهي، حيث يصبح السكر وسيلة للاتصال بالواحد الأحد، والهروب من تعددية الدنيا وزيفها. إنها دعوة إلى التفكير النقدي، والبحث عن المعنى الحقيقي للحياة، حتى لو كان ذلك يعني السير في دربٍ مختلفٍ عن السائد، ومواجهة أوجاع الروح بجرأة.