إنني لَغاضبٌ أشدَّ الغضب، ولا أرغبُ في الانتماءِ لأيِّ بلدٍ أو عرقٍ أو سماءٍ بعينها أو أرضٍ محددة. بل أصبو أن أكون كائنًا مُركَّبًا من جوهر الخيول الجامحة، ومياه الأنهار المتدفقة، وروح الترحال الدائم. إن أكثر ما يشغل فكري الآن هو المطر والنار والرحيل. أتوقُ لأن أنضجَ لأبحثَ عن لونٍ جديدٍ أَمزجهُ بألوان حياتي، وعن أغنيةٍ جديدةٍ أؤلفُها أو أحفظُها لتكونَ لي سندًا حين أنوي عبور أرضٍ إلى أخرى. أريد أن أحيا لأحصي أساوري وملابسي البسيطة، وأن أكونَ منشغلًا بالخواتم والقلائد والرقص فحسب! وإن هرولتُ، فلا أريدُ لذلك أن يكونَ بدافعِ يقينٍ واحدٍ أو جذرٍ يملي عليَّ حياتي من الخلف. بل أرغبُ في العدوِ حينما يؤلمني جوعي للحياة، وحينما تضايقني الحقيقة؛ أريد أن أجابهها بالسفر والمضي قُدُمًا. أحتاج ألا أعبأ بأي ماضٍ، وأن أفتش عن مستقبلٍ جديد. وشرطي الوحيد ألا ينفصلَ وجودي عن الطبيعة والرقص، وألا يقفَ شيءٌ بيني وبين حريتي!

أحبُّ يوم الأربعاء، ولا أذكر أنني توقفتُ قطُّ عن هذا الحب أو عن تأمله. ربما لأنه كان يمثل في أعماقي طعم الفكاك من قيدٍ ما، وإن كنتُ غير قادرٍ على تحديده بدقة. فالأربعاء هنا يعني الزيارات العائلية، والركض عصرًا مع الأقارب وأبناء الحي، ويعني كذلك أن أبي سيأذن لي بالسهر حتى الثانية عشرة ليلًا. كان هذا أقصى ما أتمناه؛ ألا أكون في فراشي فور انتهائي من صلاة العشاء.

كثيرون يمرون بنا في غمار هذه الحياة، ويمكننا أن نتجاهلهم. ثم للحظة ما، نستوقف البعض منهم، لأن قدراً ما يتربص بنا في رفقتهم. وكثيرون يعيشون معنا سنين طوالاً ولا نكترث لهم، ولا ندرك أهميتهم. ثم قد يحدث أن نلتقي شخصاً ما لخمس دقائق فحسب في العمر كله، لكنه يكون أقرب إلينا من كل أولئك الذين مضوا.