إني مهزومٌ هذه الليلة، وكأنما اللحظة الأولى التي يدرك فيها المرء ألم هزيمته هي ذاتها اللحظة التي يتعرف فيها على ملامح قلبه. إني لأعرف ملامح قلبي حق المعرفة، فأنا رجلٌ يدرك آلام هزائمه كلها.
إن الذين نحبهم في غيابهم لا يرحلون، فكأنما لا تتوارى سوى أجسادهم. وكأنهم بطرق خفية ومجهولة يأتُون من الغيب، ويعيدون نسج ملامحهم وأصواتهم وكلماتهم. فنراهم حيناً في وجه غريب لا نعرفه، أو نلمحهم أحياناً في مكان ألفوه، أو نصغي لأصواتهم في عبارة قيلت مصادفةً، وكانوا هم يصدحون بها. وكأننا نحن الذين بقينا للفقد والانتظار، نشعر بيقين راسخ أن أولئك الراحلين لم يبرحونا بعد، وأنهم ما زالوا بيننا!
أرى أنني لست في حالٍ حسنة الآن، لأنني محوتُ أكثر مما أثبتُّ، وأنا أثق بما نمحوه أو نخفيه أشدَّ الثقة، أكثر مما نثبته أو نُعلنه.
ما يؤلمني أنني كلما ازددتُ عمراً، ضاقت عليَّ الهدايا، وكلما ازددتُ عمراً، اتسع القلق وانكمشت الأحلام!
الشخص القوي جداً لا ينظر إلى من يحب، بل يكاد يتجاهله. هكذا هم الأقوياء؛ يعلمون جيداً أن قلوبهم سهلة المنال لمن عرف سبيلها، فيختبئون، بالرغم من قوتهم، خلف الصمت والإعراض. أقسم لك.