إن الاعتذارات التي يقدمها أصحابها وهي مفتقدة للعاطفة الصادقة أو غير نابعة من القلب، لهي أسوأ من عدم تقديم الاعتذار مطلقًا. والسبب في ذلك أن من يُقدَّم إليه الاعتذار يجد في مثل هذه النوعية من الاعتذارات غير المخلصة إهانةً له. والاعتذار الذي يفتقد اللياقة بمثابة تطهير الجرح بالملح.

إن الكون بأسره يقبع في أعماق كل إنسان، في داخلك أنتِ. فكل ما ترينه حولك، بما في ذلك ما قد لا تستسيغينه، وحتى الأشخاص الذين تحتقرينهم أو تمقتينهم، جميعهم يقبعون في كينونتك بدرجات متفاوتة. لذا، لا تبحثي عن الشيطان خارج ذاتك؛ فهو ليس قوة خارقة تهاجمك من الخارج، بل هو صوت عادي ينبعث من أعماقك. فإذا تعرفتِ على نفسك تمامًا، وواجهتِ بصدق وقسوة جانبيك المظلم والمشرق، عندئذٍ تبلغين أرقى مراتب الوعي. وحين تعرفين ذاتك حق المعرفة، فإنكِ ستعرفين الله.

إن من دلائل عظمةِ القرآنِ وإعجازِه البَيِّنِ أنه حينما تناولَ أمرَ الزواجِ، لم يأتِ على ذكرِ الحبِّ المجردِ، وإنما أشارَ إلى المودةِ والرحمةِ والسكنِ؛ سكنِ النفوسِ بعضِها إلى بعضٍ، وراحةِ الأرواحِ بعضِها لبعضٍ. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (الروم: 21). إنها الرحمةُ والمودةُ، مفتاحُ البيوتِ السعيدةِ. فالرحمةُ تشتملُ على الحبِّ بالضرورةِ، بينما الحبُّ قد لا يشتملُ على الرحمةِ، بل قد ينقلبُ إلى عدوانٍ إذا ما غلبتْهُ الشهوةُ. والرحمةُ أعمقُ من الحبِّ وأصفى وأطهرُ، فهي عاطفةٌ إنسانيةٌ راقيةٌ مركبةٌ، تجمعُ في طياتها الحبَّ والتضحيةَ وإنكارَ الذاتِ والتسامحَ والعطفَ والعفوَ والكرمَ. وكلُّنا قادرون على الحبِّ بحكمِ الجبلةِ البشريةِ، ولكن قليلًا منا من يمتلكُ القدرةَ على الرحمةِ. فبين ألفِ حبيبةٍ، قد تجدُ واحدةً فقط من ترحمُ، والباقياتُ غالبًا ما يكنَّ طالباتِ هوىً ونشوةٍ ولذةٍ. اللهم إني أسألك رحمةً، اللهم إني أسألك مودةً تدومُ، اللهم إني أسألك سكنًا عطوفًا وقلبًا طيبًا. اللهم لا رحمةَ إلا بك ومنك وإليك.

لقد أكملَ اللهُ لنا دينَنا، ولكنه لم يُكمِّلِ البشرَ ولم يُغلقْ عليهم بابَ الاجتهادِ. إن هناكَ فرقًا جوهريًا بين الإسلامِ والمسلمينَ، كما أن هناكَ تباينًا بين الدينِ والحضارةِ. فسلبياتُ الثاني لا تنعكسُ على الأولِ، فتذكرْ ذلكَ وانزعْ عنكَ العاطفةَ إذا أردتَ أن تفهمَ وتصلَ إلى الحقيقةِ.