عن المخططات المرجأة، والرؤى الخافتة. عن البعد الذي لا ينجلي، والقرب الذي يكتسي ثوب الغرابة. عن الدفء الذي لا يُلامس الروح إلا في فنجان قهوةٍ في ليلةٍ شتويةٍ كئيبة، وعن القرب الذي لا يتعدى احتضان وسادةٍ مُثقلةٍ بالكآبة. عن عالمٍ لا ينقضي، وعن خواءٍ باطنيٍّ يتخفى في صباحٍ مُثقلٍ بالطقوس المتكررة. عن الزفرات المسائية، وعن الصحبة الزائفة. عن الخذلان. وعن البهتان. عن الرضا بالقليل الذي يُعدُّ كثيرًا. عن الغربة في الأوطان، والاغتراب في خبايا الذات. عن الهمس الذي لا يجد له آذانًا صاغية، وعن الأرواح التي تصمت وإن تمنينا لها الكلام. عن الحبيب الغائب، وعن الجمال الذي لا يلوح أبدًا. عن العناق الذي يضم الكون بأسره، وعن البكاء على صدر أنثى. عن الخريف، وعن كآبة الشتاء. عن لعن الصيف والتشوق للربيع. عن الجميع. عن القلوب التي اعتراها الصدأ، والأرواح التي أضناها البلى. عن المشاهد المتكررة، والمشاعر المكدسة. عن الأرق الذي يستبد بالفؤاد، وعن المساء السرمدي.
أرقٌ مُتَوَالٍ، وصمتٌ تباطأ في امتداده. وخلاصة الأمر المعقد أنني مجرد حرفٍ على أعتاب مشنقة الحبيب، قد يدركني الاختناق!
وقد قالها شاعرٌ بليغٌ منذ غابر الأزمان: لا تَشْكُ للناسِ جُرحًا أنتَ صاحبُهُ، فما يُؤلِمُ الجُرحَ إلا مَن بهِ الألَمُ.
لقد خذلتُ ذاتي، وخيبتُ آمال الآخرين المعلقة بي. كل عام يمر وأنا أجدني غريبًا عن حقيقتي، لا أُشبهُ ما كنتُ أرجو.
الحبُ أن تذوبَ هويتُكَ، وأن تذرفَ الدمعَ بلا ذنبٍ، الحبُ آلافُ القضايا والمفارقات. الحبُ أن تتلاشى كل اللغات، لتحل محلها لغةُ الحبيب، لغةٌ من محبةٍ وزهورٍ.
أحنُ إلى ذلك النوم الذي كان يزورني وحيدًا ليلاً، يتسلل إلى أعماقي برفق، فيُطيب خاطري، ويغسل همومي. إنه خدرٌ شهيٌ، يفرُّ مع أولى خيوط ضوء الصباح التي تغزو الغرفة، يأتي رقيقًا ويغادر رقيقًا، فأنهض كأنني مولودٌ جديد يستقبل الحياة للمرة الأولى.