إنني في وطني، إن أبصرتُ حولي وطناً، أو حاولتُ أن أمتلكَ رأسي دونَ أن أدفعَ رأسي ثمناً، فأنا لا ريبَ مجنونٌ، وإلاّ فلستُ أنا.
أكان يرغبُ فعلاً في أن يدعَ الغرفةَ الدافئةَ المفروشةَ على نحوٍ مريحٍ بأثاثٍ موروثٍ، وقد تحوّلت إلى كهفٍ، يكونُ من شأنه هو أن يزحفَ فيه بلا إزعاجٍ نحو كلِّ الاتجاهاتِ طبعاً، ولكن مع نسيانهِ، في آنٍ واحدٍ، ماضيهِ الإنسانيَّ نسياناً سريعاً؟
إنما يُبنى الزواجُ على التوافقِ في التفكيرِ والسلوكِ والوضعِ الاجتماعيِّ والحالةِ الماليةِ، وبعدَ هذا كلِّهِ تأتي العاطفةُ.
كم هي رهيبةٌ الأسئلةُ البديهيةُ في بساطتها! تلك التي نجيبُ عنها دونَ تفكيرٍ كلَّ يومٍ. غرباءُ لا يعنيهم أمرُنا في النهاية، ولا يعنينا أن يصدِّقوا جواباً لا يقلُّ عن نفاقِ سؤالهم. ولكن مع آخرين، كم يلزمُنا الذكاءُ لنخفيَ باللغةِ جرحَنا!
أنا وزوجتي متزوجان منذ أكثر من سبعةٍ وأربعين عاماً، ولم يصل بنا النقاشُ لدرجةِ التفكيرِ في الطلاقِ، ربما وصلَ للتفكيرِ في القتلِ، أما الطلاقُ فلا.
الإنسان مُطالبٌ دائمًا بالتكيف مع ظروفه، وتقبّل أقدارِه، واستنهاض همّته لتحويل مواطن ضعفه إلى مصادر للتميز والتفوق. وفي أحيانٍ كثيرة، قد تفرض علينا الظروف أن نقتدي بمثال عازف الكمان الشهير الذي كان يُقيم حفلًا موسيقيًا في باريس، وقد احتشد الجمهور في القاعة لسماع عزفه المنفرد. فإذا بأحد أوتار كمانه الأربعة ينقطع، ويواجه العازف الشهير حيرةً: هل يتوقف عن العزف فيُفسد الليلة على هذا الجمهور المحتشد، أم ماذا يفعل؟ فيُقرر بعد لحظة خاطفة من التفكير أن يواصل العزف على الأوتار الثلاثة المتبقية، وينتهي من عزفه بعد جهدٍ جهيد، فينفجر الجمهور بالتصفيق الحار، ويكتب النقاد في الصحف بعد ذلك أنه قد بلغ في عزفه تلك الليلة قمةً لم يبلغها من قبل. وهكذا ينبغي أن يفعل الإنسان في حياته الشخصية؛ إذا فقد وترًا، فليعتمد على أوتاره الباقية وليستخرج منها أجمل النغمات.