إن المعرفة العربية السائدة معرفة تفتقر إلى النقد، إذ إنها تنشأ وتترعرع في كنف الإجابة الجاهزة، ولهذا غلب عليها الطابع الفقهي الشرعي، حتى في مجالات الآداب والفنون. وهذا ما يفسر كيف أن الثقافة العربية المهيمنة تمارس النقد بأسلوب غير نقدي، وتتناول الفكر والفلسفة بطريقة تفتقر إلى عمق التفكير والفلسفة، وتتعاطى العلم بأسلوب غير علمي، وتنتج الشعر والفن بطرق لا تمت للشعر والفن الأصيل بصلة. إن الثقافة العربية المهيمنة ليست سوى منظومة من المؤسسات الاجتماعية والأخلاقية والسياسية، إنها ثقافة خالية من جوهر الثقافة.

إن من يتصدى لإعادة تقييم الثقافة العربية اليوم، لا سيما في شقها التاريخي، أشبه بمن يسير في حقل ألغام؛ إذ يجد نفسه محاطًا بالمسلَّمات الراسخة، والقناعات الثابتة التي لا تتزعزع، والانحيازات المتجذرة، والأحكام المسبقة. وهذه كلها، في التطبيق العملي، تولّد الشكوك والاتهامات وصنوفًا مميتة من التعصب. فالماضي بذاته ليس هو الذي يهيمن على الحاضر، بل تهيمن عليه صورة قاتمة تتشكل باسم هذا الماضي.