إن إنكار الثقافة الغربية لا يُشَكِّل في حد ذاته ثقافة، والرقص المسعور حول الذات المفقودة لن يجعلها تنبعث من رمادها.
كلما علت ثقافة الإنسان، وعظمت الامتيازات التي كان يتمتع بها، كلما كانت التضحيات التي ينبغي عليه تقديمها في الأزمات أكبر.
ليس من نافع الإنسان المعاصر أن يستحضر طول نهر المسيسبي ما دامت هذه المعلومات متوفرة في دوائر المعارف. إنها ثقافة الكلمات المتقاطعة التي يُصرّون على أنها الثقافة بعينها ولا شيء غيرها، بينما الثقافة الحقة هي توظيف ما يكتسبه المرء من معرفة في بناء تصور متكامل للعالم المحيط به وكيفية التفاعل معه.
ليست الثقافة في مجرد إطلاق الأقوال الجميلة، أو أن تحجب بنورك عن الآخرين ما يرون به؛ بل هي أن تكون أنت النور الذي يهدي غيرك إلى الانتفاع بأفضل ما تملك.
عندما تُعرض أمة عن القراءة، فإن سوق الأفكار فيها يصاب بالكساد وفقاً لقانون العرض والطلب، وينحسر الإبداع، وتضمحل الثقافة.
الإنسان هو حامل الثقافة، بينما المجتمع هو حامل الحضارة. فالثقافة تعني القوة الذاتية المكتسبة عبر التنشئة، أما الحضارة فهي قوة تُمارس على الطبيعة بواسطة العلم؛ فالعلم والتكنولوجيا والمدن جميعها تنتمي إلى الحضارة. أما وسائل الثقافة فهي الفكر واللغة والكتابة. وكل من الثقافة والحضارة يرتبط أحدهما بالآخر ارتباطاً وثيقاً، كما يرتبط عالم السماء بهذا العالم الدنيوي؛ فأحدهما يمثل ‘الدراما’ والآخر ‘الطوبيا’. الحضارة تُعَلِّم، أما الثقافة فَتُنَوِّر. الأولى تحتاج إلى التعلم، بينما الثانية تستدعي التأمل.
لم تكن اللغة في ثقافة العرب مجرد أداة للثقافة، بل كانت هي الثقافة ذاتها. فالمثقف، الذي يبلغ أوج الكمال، هو من أتقن الإلمام باللغة في مفرداتها ومترادفاتها، وفي نحوها وصرفها، وفي رواية نثرها وشعرها. فإذا أقبل علينا عصرٌ تُركز ثقافته في أجهزة وأنابيب ومعامل ومصانع، أُسقط في أيدينا؛ لأن بضاعتنا تتمثل في الشعر والنثر والنحو والصرف والمفردات اللغوية والمترادفات، وهي جميعها لا تملك القدرة على ضبط إبرة في جهاز.