الثورةُ ليست مجردَ إطاحةٍ بنظامٍ لإقامةِ آخرَ بديلٍ، بل هي إلغاءُ النظامِ من حيثُ هو قانونٌ؛ أي من حيثُ هو أداةُ القمعِ ورمزُهُ، ووسيلتُهُ وتبريرُهُ، ومن حيثُ يحولُ دونَ أن يخلقَ الإنسانُ ذاتَهُ. وهي جديرةٌ بأن تنبّهنا إلى أن الثائرَ غالبًا ما يُبدعُ الوسيلةَ وينسى إبداعَ ذاتهِ. فلا يتأتّى لكَ التغييرُ بمجردِ اختلافِكَ عن الآخرين، بل ينبغي لكَ أن تختلفَ عن نفسكَ باستمرارٍ؛ لكي تكونَ ذاتكَ المتجددةَ أبدًا. فالتحررُ ليس مجردَ انتصارٍ، بل هو أولًا ودائمًا انعتاقٌ جوهريٌّ. التحررُ ليسَ امتلاكًا، بل هو كالنورِ الذي لا يُملَكُ، وإنما يشعُّ.
أتمنى لكِ اليأسَ يا حبيبتي؛ ففيهِ تكمنُ بذرةُ الإبداعِ، فالأملُ المفقودُ هو منبعُ المبدعين. لا ترتقبي قدومي ولا قدومَ أحدٍ، بل ارتقبي الفكرةَ لا المفكّر، والقصيدةَ لا الشاعر، والثورةَ لا الثائر؛ فالمفكرُ قد يزلُّ، والشاعرُ قد يجانبُ الصدقَ، والثائرُ قد ينالُ منهُ التعبُ.
إن حدوثَ التقدمِ ليسَ مرتبطًا بالثورةِ، حتى وإن جاءَ عقبَها. بل إنَّ أكثرَ البلادِ التي شهدتْ ثوراتٍ هي أبطؤها في مسيرةِ التقدمِ، بينما أكثرُها تقدمًا هي أقلُّها ثوراتٍ أو خاليةٌ منها تمامًا. إذن، فالثوراتُ لا تحملُ في جوهرها معنىً حقيقيًا للتقدمِ، وإنما هي أسلوبٌ من أساليبِ الوصولِ إلى سدّةِ الحكمِ بوسائلَ عنيفةٍ، أو مجردُ شعارٍ جديدٍ لحالةٍ قديمةٍ. قد تكونُ الثورةُ نتاجًا لتطورٍ اجتماعيٍّ أو حضاريٍّ أو فكريٍّ، بيدَ أنها لا تكونُ سببًا له. والثورةُ لا تندلعُ لكونها وسيلةً للتقدمِ أو شرطًا فيه، بل تحدثُ كما تحدثُ الأمورُ السخيفةُ كالحزنِ والعداوةِ والسبابِ والحسدِ وما شابهها؛ إنها تحدثُ بدافعِ الانفعالِ لا بمنطقِ الفكرةِ.
لا تحدث الثورات في الخفاء، فالثورة والكتابة كلتاهما لا تعرفان السرية. حطّمي قفل الدرج واكتبي في النور، اغضبي وثوري ولا تستكيني.
إن نظام التصويت الذي تقوم عليه الديمقراطية الحديثة ليس في معناه الاجتماعي إلا ثورة مقنعة. والانتخاب هو في الواقع ثورة هادئة، حيث يذهب الناس اليوم إلى صناديق الاقتراع، كما كان أسلافهم يذهبون إلى ساحات الثورة، فيخلعون حكامهم ويستبدلون بهم حكامًا آخرين.
ليس الفقر بحد ذاته هو صانع الثورات، بل وعي الفقر هو المحرك الحقيقي لها. فالطاغية يسعى إلى إفقار الرعية، بينما يعمل شيخ الطاغية على تغييب وعيها.