حكمة
نص موثق
«

الثورةُ ليست مجردَ إطاحةٍ بنظامٍ لإقامةِ آخرَ بديلٍ، بل هي إلغاءُ النظامِ من حيثُ هو قانونٌ؛ أي من حيثُ هو أداةُ القمعِ ورمزُهُ، ووسيلتُهُ وتبريرُهُ، ومن حيثُ يحولُ دونَ أن يخلقَ الإنسانُ ذاتَهُ. وهي جديرةٌ بأن تنبّهنا إلى أن الثائرَ غالبًا ما يُبدعُ الوسيلةَ وينسى إبداعَ ذاتهِ. فلا يتأتّى لكَ التغييرُ بمجردِ اختلافِكَ عن الآخرين، بل ينبغي لكَ أن تختلفَ عن نفسكَ باستمرارٍ؛ لكي تكونَ ذاتكَ المتجددةَ أبدًا. فالتحررُ ليس مجردَ انتصارٍ، بل هو أولًا ودائمًا انعتاقٌ جوهريٌّ. التحررُ ليسَ امتلاكًا، بل هو كالنورِ الذي لا يُملَكُ، وإنما يشعُّ.

»
أدونيس القرن العشرون, القرن الحادي والعشرون

جوهر المقولة

يُقدّمُ أدونيسُ رؤيةً فلسفيةً عميقةً للثورةِ، تتجاوزُ المفهومَ التقليديَّ لها كعمليةِ تغييرٍ سياسيٍّ أو اجتماعيٍّ سطحيٍّ. فهو يرى أن الثورةَ الحقيقيةَ تكمنُ في إلغاءِ جوهرِ النظامِ بحدّ ذاتهِ، لا في استبدالِ نظامٍ بآخرَ. فالنظامُ، في رؤيتهِ، هو تجسيدٌ للقمعِ ومانعٌ للإبداعِ الذاتيّ، يحولُ دونَ قدرةِ الإنسانِ على تشكيلِ ذاتهِ بحريةٍ.

يُشدّدُ أدونيسُ على أهميةِ الثورةِ الداخليةِ والتحوّلِ الذاتيّ المستمرّ. فالثائرُ قد يُبدعُ وسائلَ التغييرِ الخارجيةِ، لكنهُ قد يغفلُ عن أهميةِ خلقِ ذاتهِ وتجديدها باستمرارٍ. التغييرُ الحقيقيُّ لا ينبعُ من مجردِ الاختلافِ عن الآخرين، بل من القدرةِ على الاختلافِ عن الذاتِ القديمةِ، في عمليةٍ دائمةٍ من التطورِ والتحرّرِ.

ويُنهي أدونيسُ مقولتهُ بتشبيهٍ بليغٍ للتحرّرِ بالنورِ؛ فالتحرّرُ ليسَ غايةً تُمتلكُ أو انتصارًا يُحرزُ، بل هو حالةٌ وجوديةٌ من الانعتاقِ المستمرّ، كالنورِ الذي لا يُملَكُ بل يشعُّ، مُنيرًا ومُحرّرًا بذاتهِ دونَ قيودٍ أو امتلاكٍ.