إن كان التاريخ قد علمنا درساً، فهو أن الأفكار التي تبدو غريبة ومرفوضة اليوم قد تتحول غداً إلى حقائق جوهرية. ولنتذكر أن ألمع العقول في سالف الزمان كانت تعتقد أن الأرض مسطحة، وتتوهم أنها لو كانت كروية لانسكبت البحار من أطرافها حتماً. فكم كانوا سيسخرون منك لو أنك أعلنت لهم حينها أن الأرض ليست كروية فحسب، بل إن قوة خفية تثبت كل شيء على سطحها.

لم ندرك، خلال فترة احتجازنا في “بير جديد”، المعنى الحقيقي للبيض الطبيعي. كانت قشرته الخارجية خضراء اللون، وفي داخله سائل أسود كريه الرائحة تنفر منه النفس. كنت أكسره وأضعه في وعاء، وأتركه طوال الليل ليتعرض للتهوية، وفي الصباح كنت أخفقه مع قليل من السكر. ثم أغمس قطع الخبز في هذا المزيج وأقلبها بالزيت، فتصبح جاهزة للتوزيع. وما إن تزول الرائحة الكريهة حتى تعم البهجة والسرور من زنزانة إلى أخرى. لقد ساعد مزجها بالخبز على إخفاء طعمها الرديء إلى حد كبير.