مَرِيرٌ على الأعداءِ لكنَّ جارَهُ .. يَنعَمُ بخِصْبِ الأكنافِ وعَذْبِ الموارِدِ. مُشَهًّى في أطرافِ النهارِ وبينها .. له ما يشتهيه من طريفٍ وتالِدٍ.
فالدمعُ فيكَ مع النهارِ خَصيمُهُ .. والسُّهْدُ فيكَ مع الكلامِ رَقيبُهُ. إن طافَ شيطانُ السُّلوِّ بخاطري .. فشِهابُ شوقي في الحَشا يُصيبُه.
أَحِنُّ بأطرافِ النهارِ صَبابةً .. وبالليلِ يَدعوني الهوى فأُجيبُ. وأيامُنا تَفنى وشوقي زائدٌ .. كأنَّ زمانَ الشوقِ ليسَ يَغيبُ.
شكرًا للطيرِ إذ راحَ يَنقُرُ النافذةَ مُعلنًا بدايةَ النهارِ؛ لقد أراحَ بِنَقْرِهِ روحًا أقلقَها الأرقُ الذي يُعذِّبُني كثيرًا.
من اليسير على المرء أن يتظاهر – مدفوعاً بما يُسمى شعور الكرامة – بأنه صلب العواطف لا يلين في وضح النهار. أما في الليل، فللأمر وجهٌ آخر.
يُوحِي لي ضوء هذا النهار الخريفي أني قد ألتقيتُ بكِ سابقاً، وأنتِ تسيرين حافيةً على بساط لغتي. ناجيتُكِ قائلاً: امضي بتمهلٍ على العشب، امضي ببطءٍ ليتنفس منكِ ويُورق.
يبدو كمن غرق في نوم عميق، وعيناه تنسدلان على صدره، وكأنما ثقلت عليه أعباء دنياه حتى أرهقت جفنيه، أو أن الأيام قد غلبته وأخضعته لمشيئتها.
فقد الناس القدرة على البكاء، لا لأنهم لا يبكون، بل لأنهم يبكون بدموع إلى الداخل، يبكون كل الوقت، حتى أثناء النوم.