قد يبطئ النصر لأن بنية الأمة المؤمنة لم تنضج بعد نضجها، ولم يتم بعد تمامها، ولم تُحشد بعد طاقاتها، ولم تتحفز كل خلية وتتجمع لتعرف أقصى المذخور فيها من قوى واستعدادات. فلو نالت النصر حينئذ لفقدته وشيكًا لعدم قدرتها على حمايته طويلًا! قد يبطئ النصر حتى تبذل الأمة المؤمنة آخر ما في طوقها من قوة، وآخر ما تملكه من رصيد، فلا تستبقي عزيزًا ولا غاليًا، إلا وتبذله هينًا رخيصًا في سبيل الله. قد يبطئ النصر حتى تجرب الأمة المؤمنة آخر قواها، فتدرك أن هذه القوى وحدها بدون سند من الله لا تكفل النصر. إنما يتنزل النصر من عند الله عندما تُبذل آخر ما في الطوق ثم يُوكل الأمر بعدها إلى الله. قد يبطئ النصر لتزيد الأمة المؤمنة صلتها بالله، وهي تعاني وتتألم وتبذل، ولا تجد لها سندًا إلا الله، ولا متوجهًا إلا إليه وحده في الضراء. وهذه الصلة هي الضمانة الأولى لاستقامتها على النهج بعد النصر عندما يأذن به الله، فلا تطغى ولا تنحرف عن الحق والعدل والخير الذي نصرها به الله. قد يبطئ النصر لأن الأمة المؤمنة لم تتجرد بعد في كفاحها وبذلها وتضحياتها لله ولدعوته، فهي تقاتل لمغنم تحققه، أو تقاتل حمية لذاتها، أو تقاتل شجاعة أمام أعدائها. والله يريد أن يكون الجهاد له وحده وفي سبيله، بريئًا من المشاعر الأخرى التي تلابسه. وقد سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: الرجل يقاتل حمية، والرجل يقاتل شجاعة، والرجل يقاتل ليُرى، فأيها في سبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله». قد يبطئ النصر لأن في الشر الذي تكافحه الأمة المؤمنة بقية من خير، يريد الله أن يجرد الشر منها ليتمحض خالصًا، ويذهب وحده هالكًا، لا تتلبس به ذرة من خير تذهب في الغمار! قد يبطئ النصر لأن الباطل الذي تحاربه الأمة المؤمنة لم ينكشف زيفه للناس تمامًا. فلو غلبه المؤمنون حينئذ فقد يجد له أنصارًا من المخدوعين فيه، لم يقتنعوا بعد بفساده وضرورة زواله، فتظل له جذور في نفوس الأبرياء الذين لم تنكشف لهم الحقيقة. فيشاء الله أن يبقى الباطل حتى يتكشف عاريًا للناس، ويذهب غير مأسوف عليه من ذي بقية! قد يبطئ النصر لأن البيئة لا تصلح بعدُ لاستقبال الحق والخير والعدل الذي تمثله الأمة المؤمنة. فلو انتصرت حينئذ للقيت معارضة من البيئة لا يستقر لها معها قرار. فيظل الصراع قائمًا حتى تتهيأ النفوس من حوله لاستقبال الحق الظافر، ولاستبقائه! من أجل هذا كله، ومن أجل غيره مما يعلمه الله، قد يبطئ النصر، فتتضاعف التضحيات، وتتضاعف الآلام، مع دفاع الله عن الذين آمنوا وتحقيق النصر لهم في النهاية.

ولو امتلك العرب كل أسلحة العالم، وسيطروا على جل ثرواته، وضمنوا كافة أصواته وقراراته، لما ذاقوا طعم النصر قط. وسيظل الوطن العربي يعاني من وخزٍ في خاصرته، وغصةٍ في حلقه، وشللٍ في أطرافه، ما لم يتعالَ صوت الوحدة من المحيط إلى الخليج فوق كل صوت آخر، ووحدة الجذور قبل وحدة الأغصان. وإلا، فسيظل العرب محط سخرية العالم، كمن يلعب كرة القدم بيديه وكرة السلة بقدميه.

وعلى طول الطريق من الإسكندرية إلى القاهرة، كان جنود الراية ثلاثية الألوان يواصلون مهمتهم التعليمية ورسالتهم الحضارية! يقول الجاويش فرانسوا: إن قرية رفضت إمداد الفرنسيين بالبضائع التي طلبوها، فضُرب أهلها بحد السيف وأُحرقت بالنار، وذُبح وأُحرق تسعمائة رجل وامرأة وطفل، ليكونوا عبرة لشعب همجي نصف متوحش.

على الرغم من كثرة البيانات والمنشورات والتحليلات التي واكبت الحملة الفرنسية على مصر وما تلاها، فإن نابليون بونابرت كان صريحًا وواضحًا في تحديد مهمته، إذ قال: “سأستعمر مصر، وسأستجلب إليها الفنانين والعمال من شتى الأصناف، والنساء الممثلات. إن ست سنوات لكافية لأبلغ الهند لو سارت الأمور على ما يرام.” ويُضيف الكاتب أن نابليون تحدث في مذكراته بسانت هيلانة عن أحلامه في استعمار مصر البشري، بتضاعف سكانها أربع مرات بفضل المهاجرين من اليونان وفرنسا وإيطاليا وبولندا وألمانيا، مما كان سيجعل مصر تواجه مشكلة استعمار بشري أعمق من مشكلة الجزائر.

إننا على أتم الاستعداد لتحمل تبعات أعمالنا مهما عظمت، فلا نُلقي باللوم على سوانا، ولا نلتمس العذر بغيرنا. ونحن على يقين بأن ما عند الله خير وأبقى، وأن الفناء في سبيل الحق هو عين البقاء السرمدي. ولا قيام لدعوة إلا بجهاد، ولا جهاد إلا بما يصحبه من اضطهاد. وعندئذٍ تقترب ساعة النصر، ويحل أوان الفوز، ويصدق حينها قول الملك الحق المبين: (حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يُرد بأسنا عن القوم المجرمين).