إن العديد من حالات الإخفاق في الحياة تعزى إلى أناس لم يدركوا مدى دنوهم من النجاح في اللحظة التي قرروا فيها الاستسلام.
السامي يستدعي الداني، والداني يستدعي السامي. أقول لك، لو كنتَ في مثل حالتي المزرية، لسمتْ أفكارك أيضاً. كلما ازداد انحطاط حال المرء، تاقت نفسه إلى السمو. كان بديهياً أنني، في تلك الحال اليائسة وتلك العذابات، ظللتُ ألوذ بالله.
الثقافة هي أن تعرف نفسك، وأن تعرف الناس، وأن تعرف الأشياء والعلاقات؛ ونتيجة لذلك، ستحسن التصرف فيما يلم بك من أطوار الحياة.
أدركتُ بعدها أن النسيان هو إعادة كاملة لرسم تفاصيل دقيقة مختبئة في مكان ما، لكنها في النهاية تفاصيل نظنها حقيقية، ولا نصدق أنها مجرد وهم من أوهامنا.
لا توجد إلا ثقافة واحدة: ثقافة القوة. فمتى كنتُ قوياً، احترم الناس ثقافتي. ومتى كنتُ ضعيفاً، سقطتُ أنا وسقطت ثقافتي معي. فحين كانت روما ذات قوة عسكرية، كانت اللغة اللاتينية سيدة اللغات؛ ولما تدهورت الإمبراطورية الرومانية، غدت اللاتينية مجرد بقايا. إن الثقافة، يا سيدتي، لا تُقاس بعدد الكتب التي تُقرأ، بل بعدد الرصاصات التي تُطلق.
لقد رأيتُ كثيراً من الناس يتحرزون من رشاش النجاسة ولا يتحاشون الغيبة، ويكثرون من الصدقات ولا يبالون بمعاملات الربا، ويتهجدون بالليل ويؤخرون الفريضة عن وقتها.
بينما كان الفساد في عهد عبد الناصر يتحسس طريقه على استحياء، ويُقابل بالاستنكار إذا اكتُشف أمره، تحوَّل في عهد السادات إلى مهرجانٍ كبيرٍ يمرح فيه الناس ويقتنصون أية فرصةٍ تتاح لهم فيه دون خوف. وأما في عهد مبارك فقد خفَّ الاستنكار وزال المرح، إذ أصبح الفساد جزءًا لا ينفصم عن النظام نفسه.