غرباءٌ نحن، بكينا حين غنّى الآخرون، ولجأنا إلى السماء حين استهزأ بها الآخرون. ولأننا ضعفاء، ولأننا غرباء، نبكي ونصلي حين يلهو ويغني الآخرون. حملنا جرحنا الدامي، ورحلنا إلى أفقٍ وراء الغيب يدعونا. كنا شرذماتٍ من يتامى، وطوينا في ضياعٍ قاتمٍ عامًا بعد عام. وبقينا غرباء، وبكينا حين غنى الآخرون. سنوات التيه في سيناء كانت أربعين، ثم عاد الآخرون، ورحلنا نحن حين عادوا. فإلى أين؟ وإلى متى سنبقى تائهين وغرباء؟
يا أيها الأمواتُ الأحياءُ، لقد سئمتُ الحياةَ التي لا روحَ فيها، ومَللتُ صمتي وصوتي، وضجرتُ من الروايةِ ورُواتِها، ومن الجنايةِ وجُناتِها، ومن المحاكمِ وقُضاتِها. كما ضقتُ ذرعًا بتكليسِ القبورِ، وسئمتُ تبذيرَ الجياعِ على الأضاحي والنذورِ.
عجبًا لجهل الإنسان! يقرأ من أخبار الماضين وما حلَّ بهم من صروف الدهر، وما أصاب ساحاتهم من مثُلاتٍ فيها عبرةٌ له وتبصرةٌ بما ينفعه وما يضره، فلا يتعظ بذلك، بل يتمادى في غفلته حتى يكون هو نفسه مضربَ العظة.
تنظر، تتطلع حولها، بحثًا عن دليلٍ ملموسٍ يؤكد لها أنه كان هنا. لم تجد شيئًا من ذلك؛ لأنه لم يترك غير غيابٍ مُدَوِّخٍ مذهل، غيابٍ زخرفيٍ منمق، يحول بينها وبين أن تفهم كيف أمكنها أن تتحمل، دون أن تتهاوى ميتةً أو تتلاشى، حضوره الفائق الروعة.