حكمة
نص موثق
«

يُعاتِبُني في الدينِ قَومي وَإِنَّما …. دُيونيَ في أَشياءَ تُكسِبُهُم حَمدا
أَلَم يَرَ قَومي كَيفَ أوسِرَ مَرَّةً …. وَأُعسِرُ حَتّى تَبلُغَ العُسرَةُ الجَهدا
فَما زادَني الإِقتارُ مِنهُم تَقَرُّباً …. وَلا زادَني فَضلُ الغِنى مِنهُم بُعدا
أَسُدُّ بِهِ ما قَد أَخَلّوا وَضَيَّعوا …. ثُغورَ حُقوقٍ ما أَطاقوا لَها سَدّا
وَفي جَفنَةٍ ما يُغلَق البابُ دونها …. مُكلَّلةٍ لَحماً مُدَفِّقةٍ ثَردا
وَفي فَرَسٍ نَهدٍ عَتيقٍ جَعَلتُهُ …. حِجاباً لِبَيتي ثُمَّ أَخدَمتُه عَبدا
وَإِنَّ الَّذي بَيني وَبَينَ بَني أَبي …. وَبَينَ بَني عَمّي لَمُختَلِفٌ جِدّا
أَراهُم إِلى نَصري بِطاءً وَإِن هُمُ …. دَعَوني إِلى نَصرٍ أَتيتُهُم شَدّا
فَإِن يَأكُلوا لَحمي وَفَرتُ لحومَهُم …. وَإِن يَهدِموا مَجدي بنيتُ لَهُم مَجدا
وَإِن ضَيَّعوا غيبي حَفظتُ غيوبَهُم …. وَإِن هُم هَوَوا غَييِّ هَوَيتُ لَهُم رُشدا
وَلَيسوا إِلى نَصري سِراعاً وَإِن هُمُ …. دَعَوني إِلى نَصرٍ أَتَيتُهُم شَدّا
وَإِن زَجَروا طَيراً بِنَحسٍ تَمرُّ بي …. زَجَرتُ لَهُم طَيراً تَمُرُّ بِهِم سَعدا
وَإِن هَبطوا غوراً لِأَمرٍ يَسؤني …. طَلَعتُ لَهُم ما يَسُرُّهُمُ نَجدا
فَإِن قَدحوا لي نارَ زندٍ يَشينُني …. قَدَحتُ لَهُم في نار مكرُمةٍ زَندا

»

جوهر المقولة

هذه القصيدة للمقنع الكندي تجسد قيم الفروسية العربية الأصيلة والكرم والشرف، وتصور صراع الشاعر مع مجتمعه وقومه الذين يعاتبونه على ديونه. يبدأ الشاعر بالرد على عتاب قومه، مؤكدًا أن ديونه ليست ناتجة عن بخل أو تقصير، بل عن كرمه وسعيه لستر عوراتهم وسد حاجاتهم، مما يكسبهم الحمد والثناء. إنه يرى في إنفاقه وسيلة للحفاظ على كرامة قومه ومكانتهم، حتى لو أدى ذلك إلى إثقال كاهله بالديون.

يستعرض الشاعر تقلبه بين اليسر والعسر، مبينًا أن حاله المادي لا يغير من جوهره أو من علاقته بقومه. فهو لا يتقرب منهم في فقره ولا يبتعد عنهم في غناه، مما يدل على أصالة معدنه وثبات مبادئه. يؤكد أن ديونه كانت لسد "ثغور حقوق" أهملها قومه، في إشارة إلى واجبات اجتماعية أو حماية لم تكن في متناولهم، مما يضعه في منزلة المدافع عن شرف الجماعة.

يصور الشاعر مظاهر كرمه وجوده من خلال وصفه لـ"جفنة" الطعام المفتوحة دائمًا للضيوف والفقراء، وفرسه الأصيل الذي جعله "حجابًا لبيته" وخدمه بعبده، كناية عن استعداده الدائم للقتال وحماية منزله وقومه. هذه الصور تعكس قيم الكرم والشجاعة التي كانت أساسية في الثقافة العربية.

يختتم الشاعر قصيدته بمقارنة حادة بين سلوكه وسلوك قومه، مبرزًا تباينًا كبيرًا في الأخلاق والولاء. فبينما يتأخرون عن نصره، هو يسارع لنصرتهم. يقدم لهم الخير مقابل الشر، ويبني مجدهم إن هدموا مجده، ويحفظ غيوبهم إن ضيعوا غيبه، ويهديهم إلى الرشد إن هم مالوا إلى الغي. هذه الأبيات تجسد قمة النبل والتسامح والوفاء، وتظهر الشاعر كنموذج للرجل الذي يسمو على صغائر النفوس ويرد الإساءة بالإحسان، مؤكدًا على أن قيم الشرف والكرم تظل راسخة فيه حتى لو قوبلت بالجحود أو العتاب.