حكمة حوار الوليد والحسين: الوليد: نحن لا نطلب إلا كلمة. فلتَقُلْ: “بايعتُ” واذهب بسلام لجموع الفقراء. فلتَقُلْها وانصرف يا ابن رسول الله حقنًا للدماء. فلتَقُلْها… آه ما أيسرها… إن هي إلا كلمة. الحسين: (منتقضًا) كَبُرَتْ كلمة! وهل البيعة إلا كلمة؟ ما دين المرء سوى كلمة، ما شرف الرجل سوى كلمة، ما شرف الله سوى كلمة. ابن مروان: (بغلظة) فَقُلِ الكلمة واذهب عنا. الحسين: أتعرف ما معنى الكلمة؟ مفتاح الجنة في كلمة، ودخول النار على كلمة، وقضاء الله هو الكلمة. الكلمة لو تعرف حُرمتها لكانت زادًا مدخورًا. الكلمة نور، وبعض الكلمات قبور. بعض الكلمات قلاع شامخة يعتصم بها النبل البشري. الكلمة فرقان بين نبي وبغي. بالكلمة تنكشف الغمة. الكلمة نور ودليل تتبعه الأمة. عيسى ما كان سوى كلمة، أضاء الدنيا بالكلمات وعلمها للصيادين، فساروا يهدون العالم! الكلمة زلزلت الظالم. الكلمة حصن الحرية. إن الكلمة مسؤولية. إن الرجل هو الكلمة. شرف الرجل هو الكلمة. شرف الله هو الكلمة. ابن الحكم: وإذن؟! الحسين: لا رد لدي لمن لا يعرف ما معنى شرف الكلمة. الوليد: قد بايع كل الناس يزيدًا إلا أنت… فبايعه. الحسين: ولو وضعوا بيدي الشمس…! ابن مروان: فلتقتله… اقتله بقول الله تعالى… ابحث عن آية… اقتله بقول رسول الله فيمن خرج عن الإجماع. الحسين: أتقتلني يا ابن الزرقاء بقول جدي فيمن نافق؟ أتُزَيِّفُ في كلمات رسول الله أمامي يا أحمق؟ أتقتلني يا شر الخلق؟ أتُؤَوِّلُ في كلمات الله لتجعلها سوط عذاب تُشَرِّعُهُ فوق امرئ صدق؟
حكمة فلتذكروني لا بسفككم دماء الآخرين، بل اذكروني بانتشال الحق من ظفر الضلال، بل اذكروني بالنضال على الطريق، لكي يسود العدل فيما بينكم. فلتذكروني بالنضال. فلتذكروني عندما تغدو الحقيقة وحدها حيرى حزينة، فإذا بأسوار المدينة لا تصون حِمى المدينة، لكنها تحمي الأمير وأهله والتابعين. فلتذكروني عندما تجد الفصائل نفسها أضحت غريبة، وإذا الرذائل أصبحت هي وحدها الفضلى الحبيبة، وإذا حُكمتم من قصور الغانيات ومن مقاصير الجواري، فاذكروني. فلتذكروني حين تختلط الشجاعة بالحماقة، وإذا المنافع والمكاسب صارت ميزان الصداقة، وإذا غدا النبل الأبي هو البلاهة، وبلاغة الفصحاء تقهرها الفكاهة، والحق في الأسمال مشلول الخطى حذر السيوف! فلتذكروني حين يختلط المزيف بالشريف، فلتذكروني حين تشتبه الحقيقة بالخيال، وإذا غدا البهتان والتزييف والكذب المجلجل هي آيات النجاح، فلتذكروني في الدموع. فلتذكروني حين يستقوي الوضيع، فلتذكروني حين تغشى الدين صيحات البطون، وإذا تحكم فاسقوكم في مصير المؤمنين، وإذا اختفى صدح البلابل في حياتكم ليرتفع النباح، وإذا طغى قرع الكؤوس على النواح، وتجلجل الحق الصراح، فلتذكروني. وإذا النفير الرائع الضَّرّاف أطلق في المراعي الخضر صيحات العداء، وإذا اختفى نغم الإخاء، وإذا شكا الفقراء واكتظت جيوب الأغنياء، فلتذكروني. فلتذكروني عندما يفتي الجهول، وحين يستخزي العليم، وعندما يستحلي الذليل، وإذا تبقى فوق مائدة امرئ ما لا يريد من الطعام، وإذا اللسان أذاع ما يأبى الضمير من الكلام، فلتذكروني. فلتذكروني إن رأيتم حاكميكم يكذبون ويغدرون ويفتكون، والأقوياء ينافقون، والقائمين على مصالحكم يهابون القوي ولا يراعون الضعيف، والصامدين من الرجال غدوا كأشباه الرجال، وإذا انحنى الرجل الأبي، وإذا رأيتم فاضلاً منكم يؤاخذ عند حاكمكم بقوله، وإذا خشيتم أن يقول الحق منكم واحد في صحبه أو بين أهله، فلتذكروني. وإذا غُزيتم في بلادكم وأنتم تنظرون، وإذا اطمأن الغاصبون بأرضكم وشبابكم يتماجنون، فلتذكروني عند هذا كله ولتنهضوا باسم الحياة كي ترفعوا علم الحقيقة والعدالة. فلتذكروا ثأري العظيم لتأخذوه من الطغاة، وبذاك تنتصر الحياة. فإذا سكتّم بعد ذلك على الخديعة، وارتضى الإنسان ذله، فأنا سأذبح من جديد، وأظل أُقتل من جديد، وأظل أُقتل كل يوم ألف قتلة. سأظل أُقتل كلما سكت الغيور وكلما أغفى الصبور، سأظل أُقتل كلما رغمت أنوف في المذلة، ويظل يحكمكم يزيد ويفعل ما يريد، وولاته يستعبدونكم وهم شر العبيد، ويظل يلقنكم وإن طال المدى جرح الذل.
حكمة لم يكن الحديث عنها مقبولًا، ولم يكن إهداء الأغاني إليها جائزًا، بيد أن واجب مطربي الجبال عندنا يقتضي أن يُنشدوا الأغاني في مدح الأخوات.
الأخلاق والقيم الشرف بهاءٌ يحيط بالشخص، تستقطب إليه الأنظار، وتتجه نحوه الخواطر والأفكار، وهو جمال يروق حسنه في البصائر والأبصار. ومصدر هذا البهاء عملٌ يأتيه صاحبه، يكون له أثر حسن في أمته، أو أبناء ملته، أو في النوع الإنساني عامة؛ كإنقاذ من تهلكة، أو كشف لجهالة، أو تنبيه لطلب حق سُلِب، أو تذكير بمجد سبق، أو إنهاض من عثرة، أو إيقاظ من غفلة، أو إرشاد لخير يعم، أو تحذير من شر يغم، أو تهذيب أخلاق، أو تثقيف عقول، أو جمع كلمة، أو تجديد رابطة، أو إعادة قوة، أو انتشال من ضعف، أو إيقاد حمية.
حكمة وفلسفة الرأيُ قبلَ شجاعةِ الشجعانِ هو الأولُ وهي المحلُّ الثاني. فإذا هما اجتمعا لنفسٍ مَرَّةً بلغتْ من العلياءِ كلَّ مكانِ. ولربما طعنَ الفتى أقرانَهُ بالرأيِ قبلَ تطاعُنِ الأقرانِ. لولا العقولُ لكانَ أدنى ضيغمٍ أدنى إلى شرفٍ من الإنسانِ.