حكمة
نص موثق
«

يُروى أن قرويًا ساذجًا وفد إلى بغداد لأول مرة في حياته. فمر بمتجر لبيع الحلوى، فانتابه الذهول حين رأى تلك الحلويات الشهية مصفوفة في واجهة الدكان، وصاحب المتجر يجلس بجانبها ساكنًا لا يأكل منها شيئًا! ظن القروي أن صاحب الدكان أعمى لا يرى هذه اللذائذ المتراكمة حوله. ولكنه وجد بعد التمحيص أنه ليس أعمى. فاشتدت به الدهشة! إنه لا يستطيع أن يتصور إنسانًا يجلس بجانب الحلوى ولا يأكل منها! وسبب ذلك أن هذه الحلوى نادرة في قريته التي جاء منها. ولعله لم يتذوقها إلا مرة واحدة في حياته، وذلك في عرس ابن الشيخ حفظه الله. ولا شك بأنه شعر بلذة قصوى حين أكل منها. وقد دفعته سذاجته إلى الظن بأن الحلوى تمنح آكلها لذة قصوى كلما تناول منها، ولا فرق في ذلك بين من يأكل منها قليلًا أو كثيرًا. ولهذا وجدناه مذهولًا عند رؤية رجل يجلس بجانب تلك الحلوى وهو ساكن وهادئ، لا يسيل لعابه، كأنه جالس بجانب الطين والقصب! وما حدث لهذا القروي الساذج يحدث لكل منا في وقت من الأوقات. فإذا رأى أحدنا فتاة جميلة تتغنج وهي تمشي في الشارع، ظن أنه سيكون أسعد الناس إذا اقترن بها أو قبلها على أقل تقدير. إنه يتوهم ذلك في الوقت الذي نجد فيه زوج الفتاة قد مل منها وكاد يلفظها لفظ النواة. إن أحدنا ينظر إلى هذه الفتاة الجميلة بعين المنظار الذي نظر به ذلك القروي إلى متجر الحلوى. لا يدري كيف سيكون حاله بعدما يقترن بتلك الفتاة ويراها بين يديه صباح مساء، حيث تصبح حينذاك كالبقلاوة التي يأكل منها القروي أكلًا شديدًا متواليًا يومًا بعد يوم. لهذا ليس في هذه الدنيا شيء يمكن أن يتلذذ به الإنسان تلذذًا مستمرًا. فكل لذة مهما كانت عظيمة تتناقص تدريجيًا عند تعاطيها. وهذا ما يُعرف في علم الاقتصاد الحديث بقانون (المنفعة الحدية المتناقصة).

»
علي الوردي العصر الحديث

جوهر المقولة

يقدم علي الوردي في هذه القصة الرمزية تحليلًا عميقًا لطبيعة اللذة الإنسانية وتوهماتها، مستندًا إلى مفهوم "المنفعة المتناقصة" في الاقتصاد. تبدأ القصة بمفارقة القروي الذي يرى في الحلوى لذة مطلقة لا تتناقص، لندرتها في بيئته. دهشته من صاحب الدكان الذي لا يبالي بها تعكس جهله بقانون الإشباع. هذا الجهل يجعله يظن أن اللذة ثابتة ومستمرة، وأن تكرار التجربة لا يقلل من شدتها.

يُسقط الوردي هذه المفارقة على تجارب الحياة اليومية، مستشهدًا بمثال الرجل الذي يفتتن بفتاة جميلة، متوهمًا أن الارتباط بها سيجلب له سعادة دائمة. لكنه يغفل أن هذه الفتاة، التي تبدو له مصدرًا للإثارة والبهجة، قد أصبحت مألوفة لزوجها، الذي ربما ملّ منها. هذا التشبيه يوضح أن ما يبدو للغريب مصدرًا للإثارة والبهجة، يصبح للمعتاد عليه أمرًا عاديًا، وقد يفقد بريقه تدريجيًا.

الخلاصة الفلسفية التي يصل إليها الوردي هي أن اللذة في هذه الدنيا ليست مستمرة أو مطلقة. فكل لذة، مهما كانت شديدة في بدايتها، تتناقص تدريجيًا مع تكرار التعاطي أو التعود عليها. هذا القانون لا يقتصر على الحلوى أو الجمال، بل يمتد ليشمل معظم متع الحياة. إنه درس في فهم طبيعة الرغبة البشرية ومحدودية الإشباع، ويدعو إلى إدراك أن السعادة الحقيقية قد لا تكمن في مطاردة اللذات الحسية المتكررة، بل في التوازن، والبحث عن مصادر أعمق وأكثر استدامة للرضا.