جوهر المقولة
يتناول العقاد في هذه المقولة سمة جوهرية من سمات العبقرية، وهي الميل الفطري نحو استكشاف ما وراء الظاهر، أو ما يسميه "عالم الغيب وخفايا الأسرار". يرى العقاد أن العبقرية ليست مجرد ذكاء حاد أو قدرة على التحليل المنطقي، بل هي تتجاوز ذلك لتشمل نوعًا من الحدس العميق والرغبة في فهم المجهول والمستتر.
هذا الولع بالغيب لا يظهر في صورة واحدة، بل يتجلى في مظاهر متعددة. فقد يظهر في "الذكاء والفراسة"، حيث يمتلك العبقري قدرة على استنتاج الحقائق من أقل الإشارات، وفهم بواطن الأمور قبل أن تتضح لغيره. وقد يتجلى في "النظر على البعد"، وهي القدرة على استشراف المستقبل، والتنبؤ بالنتائج، ورؤية الأبعاد البعيدة للأحداث والتطورات، مما يمكنهم من قيادة الفكر أو العلم أو الفن إلى آفاق جديدة.
كما يربط العقاد هذا الولع بالغيب بـ"الحماسة الدينية أو في الخشوع لله". وهذا يشير إلى أن العبقرية قد تتخذ منحى روحيًا عميقًا، حيث يدفعها البحث عن الحقيقة المطلقة إلى التعمق في الإيمان والعبادة، ورؤية التجليات الإلهية في الكون والحياة. فالعبقري، بحدة إدراكه وعمق تفكيره، قد يجد في الدين إجابات لأسئلته الوجودية الكبرى، أو يجد فيه مصدرًا للإلهام والإبداع. المقولة تشير إلى أن العبقرية في جوهرها هي سعي دائم نحو كشف الحجب، سواء كانت حجابًا ماديًا أو فكريًا أو روحيًا، وهي تتجاوز مجرد الإدراك الحسي إلى آفاق أوسع من الفهم والتأمل.