حكمة
نص موثق
«

واعلم يا أمير المؤمنين أن لك منزلاً غير المنزل الذي أنت فيه، يطول فيه ثواؤك، ويفارقك أحباؤك، ويسلمونك في قعره فرداً وحيداً. فتزود له بما يصحبك يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه.

»
الحسن البصري العصر الأموي

جوهر المقولة

هذه الموعظة البليغة من الحسن البصري لأمير المؤمنين هي تذكير صارخ بحقيقة الموت وما بعده، وتأكيد على زوال الدنيا وفناء ما فيها. إنها دعوة للتأمل في المصير المحتوم والاستعداد له.

فلسفياً، تتناول المقولة مفهوم الوجود المؤقت للإنسان في الدنيا، مقابل الوجود الأبدي في الآخرة. "المنزل الآخر" هو القبر ثم الدار الآخرة، حيث يطول الثواء (الإقامة) إلى ما لا نهاية. هذا المنزل يختلف جوهرياً عن منزل الدنيا الذي يتسم بالزوال والاجتماع بالأحبة. إنها تركز على العزلة المطلقة التي يواجهها الإنسان بعد الموت، حيث يتخلى عنه أقرب الناس إليه. "يسلمونك في قعره فرداً وحيداً" هي صورة قوية للعزلة النهائية، مما يدفع إلى التفكير في ماهية الوجود الفردي بعد انقطاع الروابط الدنيوية. الدعوة إلى "التزود" هي دعوة إلى العمل الصالح والإعداد الروحي، فذلك هو الزاد الوحيد الذي يبقى مع الإنسان في تلك الرحلة الأبدية. المقولة تستحضر آية قرآنية كريمة لتعزيز فكرة أن الروابط الدنيوية ستنقطع تماماً في يوم الحساب، وأن لا شيء سيبقى سوى عمل الإنسان. إنها فلسفة زهد وتذكير بالغاية القصوى من الوجود.