حكمة
نص موثق
«

نَزَلَ المَشيبُ فَأَينَ تَذهَبُ بَعدَهُ …. وَقَد ارعَويتَ وَحانَ مِنكَ رَحيلُ

كانَ الشَبابُ خَفِيفَةً أَيّامُهُ …. وَالشَيبُ مَحْمَلُهُ عَلَيكَ ثَقيلُ

لَيسَ العَطاءُ مِنَ الفُضُولِ سَمَاحَةً …. حَتَّى تَجُودَ وَمَا لَدَيْكَ قَلِيلُ

»
المقنع الكندي العصر الأموي

جوهر المقولة

تتألف هذه الأبيات من المقنع الكندي من ثلاثة محاور فلسفية عميقة. يبدأ الشاعر بالتأمل في حتمية الشيخوخة والموت، حيث يشير نزول المشيب إلى قرب الأجل ونهاية المطاف، داعيًا الإنسان إلى التوبة والرجوع عن غيه قبل فوات الأوان. إنها دعوة للتفكر في مصير الإنسان وحقيقة وجوده، وتذكير بأن الحياة زائلة وأن كل نفس ذائقة الموت.

ثم ينتقل إلى مقارنة بين مرحلتي الشباب والشيخوخة؛ فالشباب يمتاز بخفة الأيام وسرعة انقضائها، حيث يغفل الإنسان عن قيمة الوقت وجمال اللحظة. أما الشيخوخة، فيصفها بأنها حمل ثقيل، إشارة إلى ضعف الجسد وثقل المسؤوليات وتراكم الهموم، مما يجعل الإنسان يدرك قيمة ما فاته من عمر ويشعر بوطأة ما تبقى.

أما البيت الأخير فيحمل حكمة أخلاقية رفيعة حول مفهوم الجود والكرم. فالجود الحقيقي ليس في العطاء مما يفيض عن الحاجة (الفضول)، بل يكمن في البذل والعطاء حتى مع قلة ما يملك المرء. إنها دعوة إلى السخاء الأصيل الذي ينبع من سمو النفس وطيب المعشر، لا من وفرة المال، مؤكدًا أن قيمة العطاء تقاس بمدى التضحية لا بحجم المعطى.